السوري محمود كفرطوني.. قصّة ألم تبحث عن أمل

سياسة
السوري محمود كفرطوني.. قصّة ألم تبحث عن أمل

نظرات السوري محمود كفرطوني تختزل آلام البشرية بأسرها، ودموعه المنسابة على خدوده تشي بأن مأساته أكبر من أن تترجمها كلماته المتقطعة.

اختبر قبل سنوات مرارة قصف نظام بشار الأسد على مدينته "سراقب" في ريف محافظة إدلب الشرقي، وألم انتشال جثث أمه وأبيه ورضيعته وغيرهم من تحت الأنقاض.

واليوم، يقف عاجزا عن علاج زوجته وأطفاله المصابين بجروح بليغة جراء قصف النظام، منتظرا أن تمتد إليه أيدي المحسنين لتنقذ ما تبقى من عائلته، وتعيد إليه بصيصا من أمل وأدته الحرب ببلاده.

 

** محنة القصف واللجوء والفاقة

قبل نحو 5 سنوات، تعرّضت أسرة محمود للقصف ببراميل متفجرة ألقتها قوات النظام على مدينة "سراقب"، ما أسفر عن مقتل 4 من أفراد عائلته.

ولم تقتصر الحصيلة المأساوية على ذلك، وإنما فقد نجله "عمر" (7 أعوام) قدمه اليمنى، فيما خسرت زوجته قدميها، وأصيب جزء من وجه ابنته "لُجين" (9 أعوام)، بحروق سببت لها تشويها ظاهرا.

عقب الفاجعة، اضطر محمود للنزوح، رفقة زوجته وأطفاله الـ6، من مسقط رأسه إلى قرية "الرصافة" التابعة لإدلب، متخذا قرارا بعدم العودة إلى مكان لا تزال ذكرياته المؤلمة عالقة بذاكرته.

وفي حديث إلى الأناضول، قال محمود: "لم أكن في منزلي عندما تعرض للقصف من قبل مروحيات النظام التي كانت تحلق في أجواء سراقب".

وأضاف: "لكني شاهدت سقوط برميل متفجّر بجوار المنزل، فأصبت بهلع شديد، واندفعت أركض بسرعة باتجاه المنزل، وكل ما بداخلي يتضرّع إلى الله أن لا يسقط البرميل الثاني على أفراد أسرتي".

ويتابع: "في تلك اللحظات الصعبة، شعرت وكأني أركض من سراقب إلى دمشق، وعندما وصلت إلى المنزل ورأيته مدمرًا صرخت بأعلى صوتي ثم أغمي علي".

وبحسب محمود، فإن ابنه عمر كان يلعب قرب المنزل، وأصيبت قدمه اليمنى بشظية، وعندما نُقل إلى المستشفى اضطر الأطباء لبترها حفاظا على حياة الطفل.

مشهد مريع تستعيده ذاكرة محمود المثقلة.. يسكت لبرهة من الزمن يحبس فيها أنفاسه كي لا يعلو صوته بالبكاء، قبل أن يستأنف حديثه.

"وجدت ابنتاي تئنان وتبكيان وتناشدانني مساعدتهما على وقف الألم الناجم عن إصاباتهما البليغة".

انتشل محمود جثث أمه وأبيه وخالته ورضيعته من تحت أنقاض المنزل، بمساعدة جيرانه. أخرج الجثث المغطاة بمزيج من الدم والغبار، ولكم كان من الصعب عليه فعل ذلك كما يقول؛ شعور غريب يتجاوز مرحلة الألم، ليغدو نوعا من العذاب النفسي من الصعب أن تصفه الكلمات، كما يقول.

 

** بانتظار أمل

وارى عائلته الثرى بحرقة تتأجج بداخله كلما نظر إلى قدم ابنه عمر المبتورة، والتي تحول دون ذهابه إلى المدرسة أو اللعب مع أقرانه.

ومع أن عمر يملك قدما اصطناعية بسيطة، إلا أن الأخيرة بحاجة إلى التغيير كل 6 شهور، ولكن الإمكانات المالية المحدودة للأب تمنعه من القيام بذلك.

وناشد محمود الجهات المعنية مساعدته على إعادة الأمل لابنه الصغير، ومنحه فرصة حياة سوية مثل أقرانه.

أمّا ابنته لجين، فتحلم بعلاج وجهها الذي أصيب جزء منه بحروق جراء القصف، الأمر الذي يفقدها ثقتها بنفسها أمام صديقاتها.

 لجين التي تدرس اليوم بالصف الثالث من التعليم الابتدائي، قالت للأناضول: "صديقاتي يخفن مني بسبب الحروق الموجودة في وجهي".

وأضافت: "أتمنى أن يعود وجهي كما كان في السابق، وأريد إجراء عملية جراحية حتى لا تخاف مني صديقاتي عندما نذهب إلى المدرسة".

كمّ آخر من الحزن تضيفه كلمات لجين ونظراتها العابسة لوالدها الذي يدرك مدى حبّ ابنته للمدرسة، لكن نظرات أقرانها تؤثّر عليها سلبا وتزعزعها من الداخل، والأسوأ أنها تفقدها الثقة بنفسها، ما يدفعها نحو العزلة.

مأساة تتجاوز حدود الوصف، وتختزل جزءا ضئيلا من معاناة السوريين جراء استهدافهم من قبل نظام بلادهم.

تفاصيل كئيبة لا يقشعها سوى ذلك الأمل الذي يزور بين الحين والآخر، محمود وغيره، ويمد لهم جسر التفاؤل بغد أفضل.

مصدر: وكالة الأناضول
تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!