انطباعات على هامش الديمقراطية التركية

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

أعطت تركيا عدة مرات دروسا مجانية وعلى المباشر إلى أدعياء الديمقراطية العرب وغير العرب أيضاً، يمكن أن يستفيد منها كل من يريد بناء دولة ديمقراطية حقيقية وليست مزيفة على مقاس أحذية الجنرالات ممن لا يفهون من ممارسة سلطة الشعب سوى تطبيق الايعازات العسكرية.

الكثير من الدول التي تزعم أنها ديمقراطية خاصة العربية منها، لم نشاهد في تجربتها غير سلوكيات تتنافى مع القيم الديمقراطية أصلا، فالانتخابات تجدها مزوّرة أو معدّة نتائجها سلفاً لصالح طرف معين وهو حزب السلطة دائماً، والمؤسسات البرلمانية وغيرها التي تجسّد الديمقراطية نراها على مقاس الحاكم، والانتخابات الرئاسية لم تصل حتى لدرجة استفتاء شعبي مصنوع على المقاس والتسعات الأربع المعروفة.

بل الأدهى والأمر من كل ذلك أن الأحزاب هي عبارة عن دكاكين حزبية تجارية تتلقى الدعم المادي والإعلامي والسياسي من السلطة كي تعارضها في المسموح به فقط ولا يمكنها أن تتجاوز الخطوط الحمراء المرسومة لها لأنها مجرد تجمعات لدعم مرشح السلطة دائماً.

الانتخابات التعددية في العالم العربي تجد كل من ينافسون الحزب الحاكم أو الرئيس هم مجرد أرانب سباق يحاولون إضفاء شرعية للحاكم المترشح والفائز بلا أدنى شك، من خلال تقديم طابع التعددية الشكلية التي يراد تسويقها للغرب والجماهير المتعطشة للحريات.

نذكر بعض الدول على سبيل الاستدلال لا الحصر التي تدعي الديمقراطية وهي لا علاقة لها بها من قريب أو من بعيد، ففي الجزائر، حيث منذ وصل الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة إلى سدة الحكم وهو ينافس نفسه، في 1999 انسحب المترشحون معه عشية الاقتراع بسبب التزوير الممنهج. وفي 2004 كان متسابقون على مقاسه، أما في 2009 بعد تعديل مادة الدستور التي كانت لا تسمح له بالترشح لعهدة ثالثة، تكررت المأساة نفسها.

 في 2014 وقعت الكارثة الحقيقية، حيث تمّ ترشيح الرئيس بوتفليقة وهو عاجز صحياً بما يتنافى أصلا مع القوانين السارية المفعول التي تفرض على المترشح أن يتمتع بصحة كاملة ومتزوج من جزائرية، وهذا لم يتوفر في بوتفليقة، بل أن الشهادات الطبية التي قدّمت للمجلس الدستوري جاء بها سرّيا من فرنسا، وأثناء الحملة الانتخابية لم يغادر سرير المرض أصلا، ولم ينطق حتى بكلمة واحدة إلى الشعب الجزائري يطلب منه انتخابه كرئيس لعهدة رابعة، بل لم يقدر حتى على أداء القسم الدستوري ليمارس مهامه الرئاسية.

أما المؤسسات كالبرلمان فهي مهزلة حقيقية، فالكفاءات مقصية لمنتهى الإقصاء، ونواب البرلمان هم من الفاسدين ورجال الأعمال أو الذين ليس لهم أدنى قيمة فكرية وسياسية واجتماعية حتى ينالوا شرف تمثيل المواطنين في السلطة التشريعية.

يحدث كل ذلك والجزائر تسمي نفسها بـ "الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية"، والنظام الحاكم يشيد بتجربتها "الديمقراطية" على مدار أكثر من عشرين عاما، تخللتها ثورة شعبية ثم انتخابات ديمقراطية وبعدها انقلاب عسكري وحرب أهلية دامية سقط فيها ربع مليون مواطن، وانتهى الأمر إلى العبث بالديمقراطية في المشهد الجزائري.

مصر التي كانت الدولة العربية الثانية التي ثار شعبها بعد تونس على نظام حسني مبارك، أسست في فترة زمنية محدودة البعض من الديمقراطية الناشئة، حيث وصل للحكم أول رئيس مدني في تاريخ جمهورية مصر العربية، غير أن ذلك لم يعجب الجيش الذي رسم مخططا جهنميا للإطاحة بالرئيس الذي لا شكّ في شرعيته مهما كانت أخطاؤه التي يتهمه بها خصومه، فانقلب الجنرال السيسي على رئيسه ودخلت البلاد في نفق مظلم، وسقطت الأرواح في صراع لن يفيد البلاد والعباد.

سورية التي دخلت في ثورة شعبية عارمة، وسرعان ما تحوّلت إلى حرب دامية بسبب الإرهاب الذي مارسه نظام بشار الأسد على السوريين، وأدى لتدمير البلاد وإبادة العباد من أجل البقاء في منصبه بقصر الرئاسة، ورغم الدماء التي تنزف قام نظام الأسد تحت رعاية إيرانية بتنظيم ما سمّيت بـ "انتخابات" رئاسية في بعض المناطق الخاضعة لقواته وللأسف وصفت بالتعددية رغم أن الأسد لم يغادر فيها قصره الرئاسي.

تونس التي ظلت الاستثناء - لحد ما - في مسار ثورات ما سمي بـ "الربيع العربي"، نجحت الثورة المضادة عبر صناديق الاقتراع وبالاتفاق مع قوى كبرى وأخرى في المنطقة، لم يجد حكام تونس حينها الذين صنعتهم الثورة سوى الرضوخ لسيناريو ديمقراطي بعض الشيء، من أجل تفادي سيناريوهات انقلابية تدخل البلاد في دوامة من العنف والعنف المضاد، خاصة أن العالم كله صار يريد وأد حراك الشعوب الذي تمدد في بدايته بسرعة فائقة.

الأمثلة كثيرة ومتعددة عن مأساة الديمقراطية في العالم العربي، وخاصة عن الدول التي تدعي الحكم الديمقراطي وهي المعنية بحديثنا أما الدول الأخرى التي لها أنظمة مختلفة فلا تعنينا في مقالنا هذا، فهي على الأقل لا تتمسح بالديمقراطية على مرأى الناس وتغتصبها بالدوائر المغلقة في سرايا الحكم وأجهزة الاستخبارات والأمن.

لقد جاءت التجربة التركية في وقت نشهد فيه مسخرة حقيقية تحدث باسم الديمقراطية في دول عربية وإسلامية، فالانتخابات البرلمانية - مثلا- لم يتجرّأ حتى المتنافسون المنهزمون في الطعن في شرعيتها، فقد كانت شفافة ونزيهة وفاز فيها حزب العدالة والتنمية باقتدار كبير لا يرقى له أدنى شك. فضلا عن استفتاء تعديل الدستور الذي بذلت عدة أطراف الكثير من الجهود لإجهاضه غير أنها لم تفلح، ولم يتجرأ هؤلاء على التشكيك في نزاهته.

بلا أدنى شك أن الديمقراطية التركية التي تسير نحو الأفضل خاصة منذ أفشل الشعب المحاولة الانقلابية التي كادت أن تعصف بتركيا وتعود بها عشرات السنين إلى الخلف، وسيظل الشعب التركي يختار بكل سيادة من يحكمه ويتقدم بوطنه، حيث أنه منذ وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة وتركيا تنتقل بخطوات عملاقة من الحسن إلى الأحسن، وهذا يراه المواطن التركي بعينيه ويعيشه في حياته، ولا يهمه ما يقوله المغرضون والمترصدون أو المناوئون لخياراته السيادية.

أذكر في هذا السياق أنني زرت تركيا وكنت برفقة سائق سيارة أجرة، وتحدّثت إليه عن حال بلاده، فأخبرني أنه علماني ومناهض لتوجهات أردوغان الإسلامية كما وصفها، لكنه في الانتخابات ينتخب على حزب العدالة والتنمية، ولما أردت أن أعرف السبب أكد لي أنه منذ وصل أردوغان للحكم وظروفه تغيّرت، حيث أنه قبل ذلك لا يستطيع أن يؤمّن مصروف يومه من عمله، ولكن الآن يستطيع تأمين مصاريف شهر في يوم واحد.

وراح يشيد بحال السياحة التي تطورت والاقتصاد الذي صار ينافس اقتصاديات دول عظمى، وهذا يراه بنفسه ويعيشه في واقعه ولا يحتاج لفلان أو علان كي يحلله له.

لقد كان سائق الطاكسي محقّا فيما يقوله هو وغيره ممن تحدثت إليهم أثناء زياراتي المتكررة إلى تركيا، حيث أن الأرقام والمؤشرات العالمية تؤكد ذلك، فلقد ارتفعت صادرات تركيا إلى 152 مليار دولار في 2014، وبعدما كانت تركيا تحتل المرتبة 111 من قبل فقد صارت في المرتبة 17 وبين أكبر الدول ذات الاقتصاديات الكبرى، هذه ليست أرقام خيالية يصدرها حزب أردوغان لتضليل الشعب كما يجري في العالم العربي، بل هي أرقام رسمية لصندوق النقد الدولي.

ليس بالمستغرب أن يتحوّل أردوغان إلى كابوس لدى بعض الأنظمة العربية التي تدعي الديمقراطية وتقيم الانتخابات الشكلية ولديها تعددية حزبية افتراضية، ولكنها في الحقيقة تمارس الاستبداد والفساد بشتى أنواعه، بل أن سياساتها تعود بالوبال على استقرار الأوطان ومستقبلها.

لقد أعطيت الحرية للشعب التركي فأختار الأفضل، وأفضليته ليست بشعارات طارئة لا أساس لها في أرض الواقع، بل أنه يمتلك برنامجاً اقتصادياً ووطنياً لخدمة تركيا وتحويلها إلى دولة عظمى في عام 2023 كما وعد الرئيس أردوغان.

لم تتوقف الحرية التي يتمتع بها الأتراك على اختيار من يحكمه عبر انتخابات نزيهة وشفافة وحرّة، بل صار التركي يدافع بجسده الأعزل على خياراته الديمقراطية، وصل حد أن يتمدّد المواطن الأعزل في الطريق أمام مزنجرات الدبابات ولا يخشى الموت أبداً، وهذا دليل شاهده العالم على المباشر وأكد أن الديمقراطية في تركيا ليست مجرد إنجاز بل هي عقيدة راسخة في العمق التركي وليس من السهل مصادرتها أو محاصرتها سواء بمحاولات الانقلاب أو بحملات إعلامية معادية، وللأسف مازال لم يستوعب الكثيرون من العرب وغير العرب هذه الحقيقة الثابتة عن نموذج الديمقراطية التركية.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!