أزمة القدس ستُفشل الحسابات الأمريكية والإسرائيلية

جميع المقالات

المصدر: صحيفة صباح - ترجمة وتحرير: أخبار تركيا

 

تداولت وسائل الإعلام مؤخراً اعتزام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس. ومع اعتراف "فلاين" المستشار القومي لترامب، يجري الحديث عن أن التحقيقات قد تطال صهر ترامب ونجله. الأكثر من ذلك، أن الرئيس نفسه في مأزق لعزله رئيس الـ "إف بي آي" السابق "كومي" عن منصبه. 
في ظل هذه الأجواء المتوترة يتم الحديث "للأسف عن حرب قريبة جداً" مع كوريا الشمالية من قبل كبرى الشخصيات الأمريكية. كما يتم إشعال أزمة مكانه القدس، تلك الأزمة التي لم تغب يوماً عن الشرق الأوسط. قد يكون ترامب بتصرفه هذا يحاول استجداء دعم اللوبي الإسرائيلي، وذلك عبر تحقيقه وعداً قطعه خلال حملاته الانتخابية. ربما يتوقع أن الإقدام على هذه الخطوة قد تريحه بعض الشيء داخل الكونغرس. إلا أن هذا القرار قد يأتي بصعوبات متعددة الجوانب للحسابات الأمريكية والإسرائيلية.

منذ بدء ثورات الربيع العربي وإسرائيل هي المستفيدة الأكبر من الفوضى الجارية في المنطقة. فقد استراحت تل أبيب لدرجة كبيرة مع انجرار سوريا والعراق إلى حرب أهلية، ومع انقلاب السيسي في مصر وتعرض تركيا للاعتداءات. وتم صرف النظر عن الحديث حول حل الدولتين. كما نُسي الصراع العربي الإسرائيلي. واتجهت الأنظار إلى الأزمات التي بين الدول العربية أو إلى التوسع الشيعي الإيراني.
ليست هناك أية ضغوطات تُمارس على تل أبيب فيما يخص فلسطين. ومع انتخاب ترامب ولمكانة صهره "كوشنر"، تشكّلت الأوساط المناسبة لإسرائيل، بحيث يمكنها رفع سقف مصالحها في واشنطن. تستطيع تل أبيب إجراء تعاون مع موسكو في بعض القضايا المختارة. الأمر الذي منحها إمكانية ضرب أهداف حزب الله وإيران في سوريا متى شاءت. ومؤخراً ضمت إلى صفوفها دولة خليجية أخرى بعد الإمارات، وهي السعودية الشقيق الأكبر للخليج. وهي تسعى إلى الانتقال من مرحلة إبقاء هذه العلاقات سراً، إلى إظهارها في العلن.  
من جهة أخرى تستغل تهديد "التوسع الإيراني" من أجل ترسيخ مصالحها الأمنية، ومن جهة ثانية لزيادة التقارب مع الدول الخليجية. لذا وفي أجواء مثل هذه، من غير الممكن اتخاذ خطوة جديدة في الشأن الفلسطيني، ولا دفع إسرائيل للتراجع عن إنشاء المستوطنات في القدس الشرقية.   
يبدو في الوهلة الأولى أن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، أمر لمصلحة إسرائيل. ربما ترى إدارة ترامب بحالتها المتبعثرة حالياً، بأنه قد آن الأوان لتحقيق اللحظة التاريخية للوبي الإسرائيلي في واشنطن. إذ ستقوم إدارة ترامب بجعل القدس الشرقية "عاصمة موحدة" وبهذا سيكون الطموح الصهيوني قد حقق نصراً رمزياً كبيراً. إلا أن هذا الأمر سيجلب مرة أخرى الهشاشة الإسرائيلية في قضيتين اثنتين:
1-سيجعل من إسرائيل فاعل ظاهري وواضح في المنطقة، الأمر الذي سيؤدي إلى تشكّل رأي عام إقليمي سيكشف عن الاعتداءات الإسرائيلية واستغلالها الفوضى الإقليمية للقيام بهذا.
2- مسألة التعاون الإسرائيلي – الخليجي سيكون في خطر لدى الشعوب العربية. إذ أن "فتوى إمكانية إنشاء تعاون مع إسرائيل ضد إيران وحزب الله" من قبل المفتي السعودي، لا تغير من مشكلة الشرعية لدى الشعوب. يجب ألا ننسى أن مسألة القدس كانت سبباً لتأسيس منظمة التعاون الإسلامي. وهي ليست عاصمة السلطة الفلسطينية فقط؛ بل من أكثر الرموز حساسية وأهمية بالنسبة للعالم الإسلامي أجمع.

كنت قد كتبت في وقت سابق أن مجئ ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة، سيزيد من أطماع إسرائيل. لذا فإن إقدام ترامب الذي أشعل فتيل الأطماع السعودية بعد قمة الرياض، على نقل سفارة بلاده إلى القدس، سيؤدي إلى حفر حفرة يقع فيها الخليج. إضافة إلى إضراره باستراتيجيته المتعلقة بتقليص دور إيران، والمستندة إلى إنشاء محور بين إسرائيل والدول الخليجية. كما أن هذه الخطوة لن تكتفي بدفع حماس إلى محور إيران، بل ستجر كافة الإسلاميين سواء السنة أو الشيعة إلى سيطرة إيران. الأمر الذي سيمنح القوة من جديد لأطماع طهران الأيديولوجية التي ضعفت بسبب الحرب الاهلية في سوريا. وستخسر تهمة "التوسع المذهبي" أهميتها. هذا إلى جانب عدم وجود أي نجاح ملموس فيما يخص عملية التصالح الفلسطيني الذي يديرها صهره "كوشنر" والمستمرة بجهود من الإمارات ومصر. 
وأظن أنه لا داعي للتذكير بما فعلته عملية التصالح هذه بالعديد من الرؤساء الأمريكان. خلاصة الكلام، فإن أزمة القدس لن تخدم المصالح الأمريكية. التبعثر الذي في واشنطن سيؤدي إلى تدخل تحتاجه إيران ولا يريده الخليج قط. فاجتماع جامعة الدول العربية لم تكن عبثاً.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!