حملات بن سلمان والشرق الأوسط ذو الكتل الثلاث

جميع المقالات

المصدر: صحيفة صباح - ترجمة وتحرير: أخبار تركيا

 

يبدو أن عاصفة الاستقطاب في الشرق الأوسط لن تهدأ. فالنوايا الحقيقية الكامنة في عقول الأطراف الفاعلة في المنطقة وفي مجالسهم الخاصة، لم تعد سرية. في الوقت الذي يتم الحديث فيه عن حظر السعودية والإمارات عرض المسلسلات التركية، تناقلت وسائل الإعلام تصريحات معادية لتركيا أطلقها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال لقاء جمعه بالإعلاميين في مصر. 
وصف بن سلمان كلاً من تركيا وإيران وقطر بأعداء بلاده و"مثلث الشر". وإلى جانب هذا ذكر بن سلمان قيام إيران بـ"تصدير الثورة"، و"الجماعات الإرهابية" و"هدف أردوغان في استعادة الخلافة العثمانية". تصريحات بن سلمان هذه يمكنها خلق توتر مفتوح في العلاقات التركية السعودية. لذا فإن نفي السفارة السعودية بأنقرة لهذه التصريحات، لم يتأخر. 
وقالت السفارة إن تركيا ليست هي المقصودة بـ "قوى الشر"، بل "الإخوان المسلمين والجماعات المتطرفة".
من الواضح أن ولي العهد السعودي، بالغ في الحديث عن تركيا في القاهرة متأثراً في ذلك بالجو المعادي لأنقرة هناك. كما تعلمون فإن وليي العهد الخليجيين الطموحَين (بن سلمان وبن زايد) منزعجان جداً من السياسات التي تتبعها تركيا، ناهيك عن الجانب الدبلوماسي لهذا الأمر. 
وأظهر لنا محمد بن سلمان كيف يتم التعبير عن هذا الانزعاج بلغة أيديولوجية في عالم الدبلوماسية العربية.
محمد بن سلمان وبصفته العنصر الذي يسعى وراء مشروع إعادة تصميم إقليمي للشرق الأوسط، يقوم بحملة سريعة. هدفها الأساسي هو تشكيل محور ضد إيران. كما أن ولي العهد السعودي الذي حصل على دعم إدارة ترامب، وبسط سيطرته على أمراء بلاده، يعمل على جمع الدول الخليجية حول محور السعودية-الإمارات – إسرائيل- مصر. وكان حصار قطر بسبب معارضتها هذا المشروع.
مساعي وليي العهد تحظى بدعم من اللوبيات لدى الولايات المتحدة وإسرائيل.
فقد تم التصريح علنا في اجتماع لأكبر اللوبيات اليهودية في الولايات المتحدة "آيباك- AIPAC"، عقد في 4 مارس/آذار الماضي، عن تقديم الدعم لوليي العهد السعودي والإماراتي. وليا العهد يعتبران تركيا قوة إقليمية حساسة تحول دون تحقيق هذا المشروع. لفترة قصير كانوا يأملون أن تنضم تركيا إلى المحور المعادي لإيران. إلا أن معارضة تركيا الدخول في استقطاب إقليمي، وتأديب الدول الخليجية كما حصل مع قطر، يُفشل المشروع المذكور. 
انتقاد الرئيس أردوغان لقرار ترامب حول الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وسعيه لاستصدار قرارات بهذا الشأن لدى الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، وضع كلاً من السعودية والإمارات ومصر المتقاربة مع إسرائيل، في وضع صعب أمام شعوبها. الأكثر من ذلك، أن أنقرة لا تتواجد في المنطقة فقط من خلال قوتها الناعمة مثل الصورة القيادية لأردوغان والمسلسلات التركية. بل تتواجد في الوقت نفسه، بقوتها الخشنة مثل عملياتها في سوريا، وقاعدتها العسكرية في قطر واستثماراتها في جزيرة سواكن السودانية.
هذه الحملات المؤثرة لتركيا، وعدم انخراطها في الاستقطاب الإقليمي بل وحتى تعاونها مع إيران (مثل مباحثات أستانة)، يثير الجنون لدى وليي العهد الخليجيين. 
تقف أنقرة أمام مساعي إعادة تصميم وترتيب المنطقة، مثل "كاسر أمواج صلب". وهي لا تقتصر على عرقلة الاستقطاب الإيراني - الخليجي فحسب، بل تضعف الاستقطاب الخليجي الداخلي أيضاً. وفوق هذا تُعرض شرعية تقاربها مع إسرائيل للخطر. 
بات معلوماً تقديم البعض في الدول الخليجية الدعم سراً لتنظيم "ب ي د" ومنظمة "غولن" الإرهابية، لكسر تأثير تركيا في المنطقة. واتهام تركيا بقيادة أردوغان في "السعي لاستعادة الخلافة العثمانية" ما هو إلا مساعي لعزلها.
الحملات السريعة لابن سلمان لن تأتي أكلها ولن تحصل على نتيجة. ولا تستطيع تشكيل محور مؤثر في تقليص دور إيران طالما أن إدارة ترامب في هذه الحالة من التبعثر. ولا يوجد في الخليج لا رأسمال أيديولوجي ولا عسكري لتنفيذ هذا المخطط.
أما التقارب مع إسرائيل، فلن يذهب أبعد من الإسهام في مصالح تل أبيب في كل من سوريا وفلسطين ولبنان. فيما "إقصاء" أنقرة من خلف الأبواب المغلقة، يعني تجاهل حقيقة وواقعية الشرق الأوسط.
المنطقة ليست عبارة عن الاستقطاب بين الخليج وإسرائيل وبين إيران فقط، بل هناك قوة وقدرة لمحور آخر تمثله تركيا ويستند إلى السلام والتعاون. تجاهل هذه الواقعية والحقيقة، لن يكتف بزيادة قوة إيران فقط، بل سيؤدي إلى تمزق الخليج أيضاً.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!