ممر السلام

جميع المقالات

المصدر: صحيفة صباح - ترجمة وتحرير: أخبار تركيا

 

شدد بيان اجتماع مجلس الأمن القومي التركي، وكما كان متوقعاً، على عزم تركيا مواصلة جهودها الخاصة بمكافحة الإرهاب.
وتطرق البيان أيضاً إلى عملية "المخلب" المتواصلة شمالي العراق، واستشهاد دبلوماسي تركي في مدينة أربيل العراقية، وانتقاد الشرطة الدولية "الإنتربول" حول المذكّرة الحمراء، ودعوة حلف شمال الأطلسي "ناتو" إلى التصرف بشكل يتناسب مع روح التحالف، والتأكيد على حماية المصالح القومية شرقي البحر المتوسط.
لكن ولأول مرة وردت عبارة "ممر السلام" في بيان مجلس الأمن القومي التركي. هذه العبارة ذكرها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في وقت سابق خلال قمة العشرين في مدينة أوساكا اليابانية. لا شك أن عبارة "ممر السلام" كانت أقوى وأكثر طموحاً من عبارة "تطهير الممر الإرهابي" شمالي سوريا. 
واضح أن تركيا تبدأ بنقل عملياتها في مكافحة الإرهاب خارج حدودها في سوريا والعراق، إلى مرحلة جديدة مختلفة. فهي تعمل من جهة على تصفية عناصر "بي كا كا/ي ب ك" على الحدود السورية، ومن جهة أخرى تستهدف إنشاء مناطق آمنة لتأمين عودة السوريين إلى أراضيهم. لا بد من التساؤل في هذه الحالة، أين يقع ممر السلام ضمن إطار المنطقة الآمنة؟
*
اقترحت واشنطن لأنقرة إنشاء منطقة آمنة شمالي سوريا بعمق يتراوح بين 5 -14 كيلو متر. ويبدو أنها أقنعت "ب ي د/ي ب ك" بهذا، ويتضح لنا هذا من قبول القيادي في التنظيم الإرهابي، مظلوم كوباني، إدارة 5 كيلو متر من هذه المنطقة، من قبل قوة دولية. وتعمل الوفود الأمريكية التي تزور أنقرة، على إقناع الجانب التركي بهذا المقترح، عبر التهديد باحتمالية السيطرة عليه من قبل روسيا وقوات النظام السوري.
بدورها، ترفض أنقرة مقترح أمريكا بتقليص عمق المنطقة الآمنة إلى ما دون 30 كيلو متر، وتعرب عن انزعاجها إزاء هذا الأمر، وتشدد على ضرورة التوصل إلى نتيجة ملموسة في هذا الإطار. كما ترفض تركيا منح الحماية لـ "ي ب ك/ب ي د" سواء من قبل قوة دولية أو من قبل القوات الأمريكية. بل على العكس، تؤكد على عزمها إنشاء منطقة آمنة شرقي نهر الفرات شمالي سوريا، بإمكاناتها الذاتية.
*
واشنطن مصرة على استخدام "بي كا كا/ي ب ك" كورقة قوية بيدها. ولا تسخرها لعرقلة عودة "داعش" فقط، بل ترى فيها وسيلة فعالة لتقليص دور إيران في المنطقة. وفي هذا الإطار، يتحدث الإعلام الأمريكي مؤخراً حول احتمالية دخول تركيا في مرحلة انفتاح جديدة. كا ما يهمهم، هو ترك "بي كا كا" السلاح في تركيا، وفي نفس الوقت عملها كميليشيات وكيلة للأمريكان في سوريا والعراق.
وبهذا يظنون أنهم سيواجهون إيران عبر الاستعانة بتركيا و"بي كا كا" في آن واحد. إلا أن ترك "بي كا كا" السلاح، لا يحمل أي أهمية أو فاعلية لطالما استمرت العلاقة بين الولايات المتحدة و"ي ب ك" في هذا المنوال. إلا أن أنقرة ترفض رفضاً قاطعاً شرعنة "بي كا كا" واستغلالها تحت مسميات مختلفة.
*
المشكلة تكمن في أن الأمريكان يرون أن مصالحهم التكتيكية أهم وأولى من المصالح الوجودية والاستراتيجية التركية. "بي كا كا/ي ب ك" الذي دعموه لمحاربة داعش في السابق، يعملون الآن لاستخدامهه في مواجهة إيران، متجاهلين أن هذا الأمر ترفضه أنقرة تماماً. 
بقاء "بي كا كا" في سوريا والعراق على المدى المتوسط والبعيد، أمر غير ممكن قط.
واشنطن التي لم تستنفر كافة إمكانياتها حتى الآن لمواجهة إيران، ترتكب خطأ رئيسياً في هذا الخصوص. رغم أن العقوبات التي فرضتها على طهران، تؤثر سلباً بشكل كبير  على الاقتصاد الإيراني، إلا أن النظام لدى الأخيرة لا يشبه أبداً عراق صدام حسين، ولا أفغانستان طالبان. إذ أنه يمكن أن تواصل مقاومتها مستعينة بوكلائها في المنطقة. في المقابل قد تفشل إدارة ترامب التي تزعم عدم رغبتها في الحرب، في إجبار جلوس طهران على الطاولة من خلال الاستعانة بـ "بي كا كا" أو الاعتماد على مواقف بعض البلدان الخليجية.
مواصلة واشنطن الانشغال بالخطوات التكتيكية دون إجراء تغييرات هامة في سياساتها المتعلقة بتركيا والشرق الأوسط، يفتح الباب أمام استغلال روسيا الفراغات التي تتشكل نتيجة هذه المستجدات. وفي هذا السياق، لا تزال ترفض الولايات المتحدة الاتعاظ من تسبب الحرب الداخلية السورية المعقدة في تقارب أنقرة وموسكو بسبب أخطاء واشنطن. الطمع في المكاسب التكتيكية المؤقتة يعزز من الخسائر الاستراتيجية. ومن المهم جداً قراءة قرار "ممر السلام" في بيان مجلس الأمن القومي التركي، في هذا الإطار.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!