موجة الفوضى الثانية في الشرق الأوسط

جميع المقالات

المصدر: صحيفة صباح - ترجمة وتحرير: أخبار تركيا

 

مع كل يوم جديد منطقتنا حبلى بأزمات جديدة. وللأسف فإننا نتوقع استمرار الأزمات القائمة بدلاً من انتهائها. وهناك سببان لتوقعاتنا السلبية هذه:
الأولى، الغموض والفوضى والفر اغ الذي حل بمنطقة الهادئ وأوروبا وبالشرق الأوسط بسبب التغير الذي حل بالدور العالمي للولايات المتحدة الأمريكية. فضلاً عن أن الغموض لا يزال يلف السياسات المتناقضة التي تنتهجها واشنطن لحماية مصالحها الاقتصادية. 
أما السبب الثاني، تشكّل أو تشكيل معادلة جديدة في الشرق الأوسط تنقل التوترات القائمة فيها إلى صراعات ساخنة.
*
هذه المعادلة الهدامة تتشكّل بين السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط وبين تنافسات القوى الإقليمية. فيما محور الاستقطاب يتركز بين إيران والخليج بقيادة السعودية... حالة الاستقطاب هذه والتي تحولت إلى ثقب أسود، باتت تؤثر على المنطقة بشكل أعمق يوماً بعد آخر. 
أول ما نتج عن الاستقطاب هذا، الحروب بالوكالة والتمييز المذهبي السني – الشيعي. وأما الآن فأدى إلى الصراع القومي العربي – الفارسي عبر "الإسلام المعتدل – المتطرف"، ومن المحتمل أن يؤدي في نهاية المطاف إلى حرب ساخنة.
الدول التي لم تنخرط في حالة الاستقطاب المذكورة، باتت تتضرر منها أيضاً. وخير مثال على ذلك الحصار الخليجي ضد قطر. أما تركيا فتعدّ عنصر موازنة تبذل الجهود لإيجاد الحلول الدبلوماسية عبر قيامها بالوساطة. وفي هذا الإطار يقوم الرئيس أردوغان بجولة خارجية الأسبوع المقبل تشمل روسيا، والكويت وقطر ، حاملاً في حقيبته التوتر السعودي – الإيراني.
*
هناك دولتان تستفيدان من حالة الفوضى المتعمقة في الشرق الأوسط. الأولى، روسيا التي باتت توسع من نفوذها وتملأ الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة بعد 2015. وقد وصلت إلى مرحلة من القوة تستطيع بها أن تؤثر على معادلة المنطقة من خلال قوتها العسكرية النسبية والمحدودة.
أما الدولة الأخرى، هي إسرائيل الرابحة دوماً من إضعاف القوى الإقليمية نتيجة دخولها في مرحلة "خطورة التمزق". حيث باتت بموقع الدولة الرابحة دوماً انطلاقاً من الحرب الأهلية في سوريا، والانقلاب على مرسي في مصر، وسيطرة "داعش" على العراق وسوريا، ومكافحة التنظيم فيما بعد وحتى حصار قطر (وذلك مع قبول حماس المصالحة). والمثير أنها تحقق المكاسب والأرباح دون أن تدفع أي ثمن مقابل ذلك. وتستهدف الآن إضعاف حزب الله اللبناني الذي قوي بسبب الحرب السورية واتحاد دول المنطقة ضد إيران. لم تكتف دول الشرق الأوسط بنسيان الصراع العربي – الإسرائيلي. بل راحت الدول الخليجية بقيادة الإمارات، تعمل على إنشاء تعاون مع إسرائيل. 
*
في الواقع إن التوتر السعودي – الإيراني مؤخراً عبارة عن موجة الفوضى الثانية في المنطقة. وكانت بدايتها عقب زيارة الرئيس ترامب إلى الرياض في مايو/أيار الماضي. وتسارعت موجة الفوضى هذه بعد إعلان ترامب عن استراتيجيته المتعلقة بإيران، وتستمر الآن باستقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري. ولهذا السبب كنت قد سميت هذه الموجة الجديد خلال الأزمة القطرية، بـ "تأثير ترامب". وكان "تأثير أوباما" قد شكّل الموجة الأولى من الفوضى.
أظن أنكم تتذكرون دعم أوباما لإخماد الثورات العربية عبر القوى النخبوية في المنطقة. وكانت نتيجة هذا الدعم الحروب الأهلية في ليبيا، وسوريا، واليمن، وانقلاب السيسي في مصر. كذلك انخرط أوباما في مساعي ضم إيران إلى النظام الدولي عبر الاتفاق النووي. الأمر الذي فتح الباب أمام التوسع الإيراني وانتشار الاستقطاب السلفي/الوهابي – الشيعي في المنطقة. 
*
أما ترامب، فإنه يحاول عبر "تقليص دور إيران" تحقيق ما قام به سلفه أوباما بشكل غير مباشر، لكن هذه المرة بشكل مباشر. إذ يغذّي المخاوف الأطماع السعودية. أما إيران فتكتسب موقفاً أكثر عدائية تحت مسمى الدفاع والمقاومة. وتراعي مصالحها الاقتصادية فيما يخص أمور كبيع الطاقة والسلاح.
المشكلة تكمن في أن ترامب لا يملك خطة واقعية لحشد قواته العسكرية في المنطقة من أجل تقليص إيران، ولا يمتلك الرأسمال الأيديولوجي والبشري (الميليشيات بالوكالة...) لمحاربة إيران.
أما الاحتمالات المتبقية، فهي النزاعات الطويلة والفوضوية... الأمر الذي يعني قيام إيران بمحاسبة خصومها، واستغلال إسرائيل هذه الفرصة لصالحها.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!