فخ إدلب

جميع المقالات

المصدر: صحيفة صباح - ترجمة وتحرير: أخبار تركيا

 

التصريحات المتتالية للمسؤولين العسكريين والسياسيين الأمريكيين حول إدلب، ومزاعمهم المتعلقة بتحوّل هذه المنطقة إلى ساحة معيشة لتنظيم القاعدة، بل وحتى حديث شخصيات بارزة مثل ماكغورك المفوض الرئاسي للتحالف الدولي ضد "داعش" المتعلقة باستهداف تركيا، تُظهر لنا محاولة إنشاء سياسة جديدة تجاه المنطقة. تزايد مثل هذه التصريحات بالتزامن مع القرب من انتهاء عملية الرقة التي تقوم بها واشنطن بالاشتراك مع منظمة "بي كا كا"، يكثّف من التساؤلات في هذا الخصوص. 

منطقة إدلب التي تعدّ من أكبر المحافظات السورية والمحررة من قبل جيش الفتح المكون من اتحاد عدة عناصر وقوى في المعارضة، تضم شمالي حماة، وغربي حلب وشمالي اللاذقية وتعتبر مع منطقة "درع الفرات" بمثابة القلعة الأخيرة لقوى المعارضة السورية. كما أنها عبارة عن منطقة لجوء للمهجّرين من المناطق الأخرى المحاصرة من قبل النظام السوري وحلفائه، الأمر الذي أدى إلى تجاوز عدد السكان فيها مع المدنيين والمقاتلين المهجرين من المناطق الأخرى أكثر من مليوني نسمة. إلا أن الاختلافات الأيديولوجية، والسياسية والعسكرية التي تعاني منها المعارضة السورية منذ بدء ثورتها، بدأت تظهر منذ فترة طويلة في إدلب أيضاً. مجموعات وأطراف متفاوتة في الصغر والكبر، راحت تتشابك مع بعضها البعض لدوافع مختلفة.

آخر هذه النزاعات كانت في الأسبوع الثالث من شهر يوليو/تموز الماضي، حيث أدى اشتداد الاشتباكات والنزاعات بين أحرار الشام وهيئة تحرير الشام، إلى انتشار هذه الاشتباكات في كافة أنحاء إدلب (على عكس ما كان يحدث في النزاعات السابقة هناك). على الرغم من التوصل إلى اتفاق بين الطرفين في نهاية المطاف، إلا أنّ هيئة تحرير الشام نجحت في إلحاق هزيمة كبيرة بأحرار الشام. وبهذا انتقلت سيطرة المدن الهامة داخل إدلب إلى هيئة تحرير الشام بما فيها المناطق الواقعة في المنطقة الحدودية مع تركيا.

الفاعلية والتأثير اللتان امتلكتهما هيئة تحرير الشام في إدلب من خلال المستجدات الأخيرة، جلبت معها تساؤلات عديدة فيما يتعلق بمستقبل المنطقة وأدت إلى حالة من القلق. كون جبهة النصرة التي بايعت القاعدة سابقاً، إحدى مكونات هيئة تحرير الشام، وتحديد دول مثل روسيا والولايات المتحدة الهيئة المذكورة كهدف مشروع لزعمها أنها فصيل من القاعدة على الرغم من تواجد القوى الأخرى من المعارضة السورية ضمنها، أدى إلى جعل الهيئة عنصر تهديد كبير جداً.

بدورها تستمر هيئة تحرير الشام في القيام بحملات عدة ومختلفة في الآونة الأخيرة من أجل التخلص من وصمها بالقاعدة وتخرج من دائرة الاستهداف الأمريكية. على الرغم من سيطرتها الكاملة على مدينة إدلب من ناحية النفوذ العسكري عقب هزيمتها لأحرار الشام، فإن الهيئة تسعى لتشكيل إدارة مدينة من أجل إدارة المدينة. هيئة تحرير الشام التي التقت مع كافة أطراف المعارضة في منطقة إدلب، من الممكن أن تفضّل نقل الإدارة السياسية والإدارية في كافة المناطق بما فيها مركز مدينة إدلب، إلى إدارة مدنية لتحتفظ هي بالإدارة العسكرية فقط. 

 

 

الخيارات التركية والفخاخ

في الفترة التي تشهد فيها قوى المعارضة نزاعات داخلية بينها، وزيادة هيئة تحرير الشام من سيطرتها على منطقة إدلب، نرى أن هناك مساع لتشكيل رأي عام حول وجوب قيام تركيا بعملية مشتركة مع قوى المعارضة في منطقة درع الفرات والتي خضعت لبرنامج "التدريب والتجهيز" من قبل أنقرة، ضد هيئة تحرير الشام في إدلب. المدافعون عن هذه الفكرة في الداخل التركي، ينطلقون من مبدأ نموذج "داعش"، أي أنه في حال لم تسيطر تركيا على هذه المنطقة، فإن واشنطن أو موسكو ستشنان عملية ضدها من خلال النظام السوري أو من خلال منظمة "بي كا كا"، وبالتالي على تركيا أن تقوم بعملية استباقية في هذا الخصوص.

لكن يجب الوضع بعين الاعتبار أن هيئة تحرير الشام لا يمكن مقارنتها مع "داعش"، إذ أنها مكونة من العديد من فصائل المعارضة السورية إلى جانب جبهة النصرة، وهي تمتلك هناك  قوة عسكرية تُقدّر بـ 20 ألف جندي، كذلك وكما رأينا في الاشتباكات الأخيرة مع أحرار الشام فإن الهيئة تتمتع بتفوق عسكري كبير على باقي فصائل المعارضة من حيث القدرة العسكرية. وبالتالي فإن عملية كهذه من قبل الجيش التركي، تستوجب الدخول إلى المنطقة بعشرات الآلاف من الجنود. فضلاً عن أن المنطقة تضم أخطاراً عسكرية، وسياسية وإنسانية.

الأكثر من ذلك، يجب رؤية الفخ المنصوب ضد تركيا والذي من الممكن رؤيته في تصريحات بعض الأطراف في الولايات المتحدة، مثل تصريحات ماكغورك حول "تحوّل الحدود الجنوبية لتركيا إلى منطقة آمنة بالنسبة للقاعدة".

بالتزامن مع انتهاء عملية الرقة، أي قرب شن أنقرة عملية موسعة ضد "ي ب ك- ب ي د" الامتداد السوري لـ"بي كا كا"، راحت واشنطن تفرض أجندتها الجديدة على أنقرة من خلال إدلب. إذ هناك محاولات لتشكيل رأي عام حول وجود القاعدة في إدلب من خلال مجموعات ومنظمات ثانوية، ومن ثم ممارسة الضغوط على تركيا كما تم ذلك من قبل عبر مزاعم دعم أنقرة لـ"داعش".

واشنطن التي تصرّ على إنكار ارتباط "ي ب ك- ب ي د" بمنظمة "بي كا كا" رغم وجود آلاف الأدلة التي تظهر ذلك، تحاول فرض الإملاءات على تركيا لاستهداف المجموعات ذات العلاقة مع القاعدة فيما مضى، فقط لأنها تشكل تهديداً بسيطاً لمصالحها.

بدلاً من الدخول في عملية عسكرية ضد هيئة تحرير الشام في إدلب، على تركيا أن تتصرف وهي تعي وتدرك التلاعبات التي تُدار ضدها، وتستمر في دعمها للمعارضة باستثناء هيئة تحرير الشام، وفي الوقت ذاته عليها أن تدعم انتقال الإدارات في إدلب والمناطق الأخرى إلى أطراف مدنية، وتسعى لتقوية اللجان المحلية التي تختار أعضاءها بناء على انتخابات تجريها. كما على أنقرة ألا تسمح  بفرض الإملاءات عليها، وأن تركّز عقب انتهاء عملية الرقة على "ي ب ك – ب ي د" الذي تحول إلى عنصر تهديد وجودي، وأن تقوم بحملات تؤدي إلى نتائج فعلية على أرض الواقع.

 

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!