الأرضية السياسية لمنظومة إس 400

جميع المقالات

المصدر: صحيفة صباح - ترجمة وتحرير: أخبار تركيا

 

أجرى الرئيس أردوغان، الاثنين، زيارته الثالثة إلى روسيا منذ مطلع العام الحالي، وكان في جعبته العديد من القضايا ليبحثها مع الطرف الروسي، أبرزها منظومة "إس-400" الدفاعية.
وكما تعلمون فتركيا تتعرض لضغوط كبيرة من وراء هذه المنظومة، سيما أن الولايات المتحدة لا تتردد بل وتجاهر في تهديد تركيا بهذا الشأن، عبر التلويح بإمكانية إقصاء أنقرة من طائرات "إف-35" الحربية المتطورة، والتي تعد تركيا جزء مساهماً في صناعتها.
يراقب الجانب الروسي بقلق هذه المستجدات، فالإرادة التركية لن تؤثر فقط على احتياجاتها في مجال الدفاع الجوي بل تأثيرها يطال إيضا أرضية علاقاتها السياسية.
فتركيا كانت تبحث منذ زمن طويل عن نظام دفاع جوي تحمي به نفسها من التهديدات المحتملة، وفي هذا الإطار طلبت من الولايات المتحدة مرارا تزويدها بصواريخ باتريوت، غير أن الجانب الأمريكي لم يبادر بالموافقة على الطلب التركي.
وكما تذكرون وضعت صواريخ باتريوت لفترة محدودة على الأراضي التركية في ذروة احتدام الاشتباكات في سوريا، بمعنى أن أمريكا تركت تركيا وحيدة أمام التهديدات الإيرانية والروسية في ذلك الوقت.
أما اليوم فكل شيء انقلب على العكس، فتركيا نجحت بالتقرب من روسيا، وعبر هذا التقارب لم تزد تركيا من مدى تأثيرها على صعيد الملف السوري فقط، بل وأبرمت اتفاقية مع روسيا حيال منظومة "إس-400".
أمام هذا المشهد، يمكن أن تعتبر وجهة نظر أن الولايات المتحدة تعتقد أن تركيا تتظاهر بخداعها عبر تقاربها مع روسيا واتفاقية "إس-400"، فواشنطن لم تتخذ أي خطوة إيجابية تجاه تركيا في هذه المرحلة، واليوم تبادر برمي تهديداتها يمنة ويسرى.
ولنقل أن تركيا ستتأثر من هذه التهديدات وتتخلى عن امتلاك صواريخ "إس-400"، ولكن هل تتخيلون انعكاسات هذه الخطوة على علاقاتها مع روسيا؟ فهذه خطوة يمكن أن تنتج أزمة ثقة كبيرة بين أنقرة وموسكو، فضلا عن أن صواريخ باتريوت لن تأتي إلى تركيا، بالتوازي مع غموض موضوع طائرات "إف-35".
فكم شخص يضمن حصول تركيا على طائرات "إف-35" في حال تخليها عن منظومة "إس-400"؟ بل على العكس ستواصل الولايات المتحدة موقفها غير التوافقي على نحو متزايد.
وفي هذه الحالة، فإن الأفضل لتركيا أن تضمن الحصول على "إس-400"، بدلا من المخاطرة في الحصول على "إف-35".
وفي الواقع إقامة علاقة مباشرة بين "إف-35" و"إس-400" يأخذنا إلى تقييمات خاطئة، فكلا الملفين يشكلان أزمتين مختلفتين، كما أن كلا الملفين ليسا بديلا عن الآخر، أي أن حل الملف الأول لا يعني بالضرورة حل الآخر.
فأزمة الملفين صادراتان عن الأزمة الراهنة بين تركيا والويالات المتحدة، أو بالأحرى عن الموقف اللامسؤول لواشنطن الذي تنتهجه تجاه تركيا.
وطالما أن الولايات المتحدة مصرة على اتباع هذا النهج اللامسؤول، فلن يتغير شيء في العلاقات التركية الأمريكية سواء امتلكت أنقرة "إس-400" أم لم تمتلك.
كما أن مسألة "إف-35" ليست بتلك المسألة البسيطة، نعم نقرّ بأن تركيا ستواجه أزمة كبيرة في حال عدم اتخاذ خطوة إيجابية في هذا الشأن، إلا أنها تكون في الوقت نفسه قد أنزلت ضربة صاعقة على مشروع ضخم، وعلى التحالف الغربي.
وسيؤدي شل مشروع مشترك إلى إلحاق الضرر بكل شريك بما يتناسب مع مشاركته، ولهذا السبب بالتحديد أعتقد أن تركيا مصممة على امتلاك منظومة "إس-400".
فبعد نكس الولايات المتحدة جميع تعهداتها لتركيا وتهديدها لها، لن تتحرك أنقرة على هوى الأمريكيين، ولن ترغب في توتير العلاقات مع روسيا.
فهناك العديد من المواضيع الأخرى بين روسيا وتركيا، فالبلدان يعرفان السير في طريق واحد، غير أن الولايات المتحدة غير واعدة في السير في الطريق نفسه مع تركيا كما الحال مع روسيا.
ولذا فإن تركيا ستحافظ على علاقاتها مع روسيا، وتصمم على امتلاك "إس-400".

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!