محاولة انقلابية في فنزويلا

جميع المقالات

المصدر: صحيفة صباح - ترجمة وتحرير: أخبار تركيا
 
الولايات المتحدة الأمريكية لا تدع فنزويلا وشأنها. وفعلت الأفاعيل بالرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافير، ولم يسلم خلفه والرئيس الحالي للبلاد نيكولاس مادورو أيضاً من هذا.حيث يعملون منذ توليه السلطة على الإطاحة به. فنزويلا التي تعد من أغنى بلدان العالم التي تمتلك النفط والذهب، تعاني اليوم من انهيار اقتصادي كبير. ومؤخراً باتت تواجه محاولة انقلابية علنية. حيث قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبشكل علني، بتعيين رئيساً للبلاد من الخارج، سارعت على إثره البلدان الأوروبية، لتتبع نهجه في الاعتراف بالرئيس المعيّن من قبل ترامب. مرة أخرى وللأسف، قامت البلدان الغربية بانقلاب في بلد آخر.
عند الحديث عن هذا الأمر، يذكر البعض أن الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها فنزويلا، سببها الإدارة السيئة للرئيس مادورو للبلاد. هذا أمر من الصعب جداً تفهمه. مهما كانت إدارة البلاد سيئة، هل يُعقل أن ينهار اقتصاد بلد لديه احتياطيات كبيرة من النفط والذهب؟ ثم هل الإدارة في السعودية، أفضل من التي في فنزويلا؟ بالطبع لا. إلا أن الأخيرة رفضت البقاء تحت الهيمنة الأمريكية، فيما قبلت الرياض ذلك، ولو فعلت كراكاس ما فعلته الرياض، لكانت الآن تصدر النفط وتزيد من ثرواتها وتتقاسمه مع الولايات المتحدة.
إلا أن مادورو يرغب في مواصلة كفاح ونضال استقلال كان خلفه تشافيز قد أطلقه فيما مضى. الأمر الذي يزعج واشنطن التي ترغب في أن تبقى مثل هذه الدول كحديقة خلفية لها. وأبرز مؤشر على ذلك هو مبدأ مونرو الذي تم الإعلان عنه في القرن الـ19 الميلادي. حيث أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك، مونرو، أنه يرغب في إقصاء وإخراج القوى الاستعمارية الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا، من كامل القارة الأمريكية. يُقال أن القوى العظمى ترغب دوماً في بسط هيمنتها المطلقة على كامل منطقتها، وأن الولايات المتحدة الأمريكية، كانت البلد الوحيد التي نجحت في ذلك.
حيث استطاعت بسط هيمنتها على كامل القارة الأمريكية، والحيلولة دون تدخل القوى الأخرى فيها. ويعود الفضل في ذلك للموقع الجيوسياسي للولايات المتحدة، حيث تُحاط بالمحيطات، فيما نجحت بإخضاع الدول الواقعة على جنوبها وشمالها، وتأمين تبعيتها لها. باستثناء كوبا التي كانت بزعامة فيدل كاسترو. حيث عملت واشنطن على القيام بعشرات المحاولات الانقلابية في كوبا، وحاولت خلق حرب داخلية، إلا أنها فشلت في ذلك بفضل الدعم السوفييتي لكوبا، وأزمة صواريخ كوبا سنة 1962. لكن رغم هذا استطاعت الولايات المتحدة تحييد وتقليص الخطر الكوبي من القارة الأمريكية، إلا أن هذا لم يكن كافياً بالنسبة للرأي العام الأمريكي. 
ولضمان عدم تكرار التجربة الكوبية في باقي دول أمريكا الجنوبية، واصلت واشنطن ضغوطها عليها. حتى أن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، كيسنجر، سئل ذات مرة عما إذا كان هناك مشروع للقيام بانقلاب في تشيلي. أجاب كيسنجر ساخراً: "ليس هناك مشروع كهذا حالياً ضمن أجندتي."
الأمر نفسه تتعرض له فنزويلا حاليا. الأمر ليس متعلقاً فقط بالذهب والنفط. بل هناك أهم من ذلك، ألا وهو الأولويات الأمنية والاستراتيجية. لن تترك واشنطن فنزويلا وشأنها حتى لو لم تكن هناك نقطة نفط أو غرام ذهب. استطاعت فنزويلا الصمود حتى الآن بفضل مواردها الباطنية هذه. إلا أنها تتعرض الآن لنوع مختلف من الضغوط، من الصعب عليها مواجهتها وحدها. كما أن جيران فنزويلا الذين لا يملكون فرصة الخروج عن السيطرة الأمريكية، تركوها وحيدة دون مساندتها.
الاحتمال الوحيد المتاح حالياً لخروج فنزويلا من أزمتها الراهنة، هو حصولها على دعم خارجي. إن كان هناك القليل من العقل الاستراتيجي لدى دول مثل الصين وروسيا، يقدمون الدعم لفنزويلا. إلا أن هناك شكوك في مدى نجاحهم في هذا. إن لم تشغلوا الولايات المتحدة في حديقتها الخلفية، تنشغل هي بحديقتكم الخلفية. حينها يبقى العالم متعدد الأقطاب الذي تحلمون به، مجرد حلم وخيال.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!