نتابع بعظة كبيرة

جميع المقالات

المصدر: صحيفة صباح - ترجمة وتحرير: أخبار تركيا

 

منذ أسابيع والشرطة الفرنسية لا تستطيع إعادة الهدوء بالميادين والساحات في البلاد، ورغم أنها تضع أمامنا أبرز الأمثلة على العنف المفرط؛ إلا أن المظاهرات لا تبدو أنها ستضع أوزارها.
مما نرى فيه أن شرطة باريس خرجت عن السيطرة، وتضرب المتظاهرين بيد من حديد.
نشاهد اليوم بعظة كبيرة أوروبا التي كانت تحاول تلقيننا دروسا في الديمقراطية، وهي تخرج العصا من خصرها وتلوح بها ضد المحتجين عند أوّل مظاهرة.
ومن المثير للاستغراب أن الإعلام الدولي الذي كان يبث أعمال الشغب في أحداث غزي بارك (بإسطنبول 2013) 24 ساعة في اليوم، غير مبالٍ بما يحدث في فرنسا.
رفع فرنسا سعر المحروقات كان كافيا لاندلاع شرارة التوتر السائد أصلا في البلاد؛ غير أن المسألة أعمق بكثير، فالأزمة تفجرت عبر بعض المسائل الناجمة عن عدم الرضى العام بين الفرنسيين.
ورغم أن أعداد المتظاهرين ليست بالحجم الكبير؛ إلا أنهم يحظون بدعم شعبي، فالعديد من الإحصاءات تشير إلى أن 70 و80 بالمئة من عامة الشعب يدعمون الاحتجاجات، فيما أن المجموعات اليمينية المتطرفة تشكل العمود الفقري للمظاهرات.
الغرابة لا تكمن بدعم اليمين المتطرف للاحتجاجات، وإنما بدعم اليسار المتطرف لها، وكما هو الحال في عموم أوروبا فإن التيارات السياسية المركزية في هبوط مستمر، لأنها لا تلبي تطلعات المجتمعات؛ على عكس التيارات المتطرفة التي تواصل صعودها.
هذا المثال ينطبق على العديد من بقاع العالم ولا يقتصر على أوروبا فقط، فالتيارات السياسية المركزية في سقوط مستمر ابتداء من أمريكا إلى البرازيل وصولا إلى الهند، ويحلّ مكانها زعماء يستخدمون الأساليب الشعبوية والخطابات التفاعلية، وهذا ما يفسّر لنا عدم الرضى السائد بين الشعوب ومحاولات بحثهم عن البدائل.
محاولات البحث عن البدائل تلقي بفئات كبيرة من المجتمعات والشعوب في أحضان الخطابات التفاعلية، لأن الطبقة المتوسطة والفقيرة تشكل الفئة الكبيرة في المجتمعات، وأبناء هذه الطبقة مدركون جيدا بالظلم الاجتماعي السائد في البلاد، ويكنون البغضاء للسياسات النيوليبرالية ويعتقدون أن العولمة سلبت من أفرادها.
وفي ظل تطور الاستثمارات الخارجية للشركات العالمية، وانخفاض الطلب على جهد الإنسان تحت وطأة تكنولوجيا الروبوتات، يكثر البحث عن العمل مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض مستوى الأجور.
وبينما تقل أرباح الطبقة المتوسطة والفقيرة، تزداد ثروات النخب المستفيدة من نِعم العولمة، وهذا نتاج سياسات شد الأحزمة التي جاءت عبر الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008.
وبعد هذه الأزمة منحت الدول قروضا كبيرة للشركات العملاقة خشية احتمال إفلاسها، والطبقة المتوسطة والفقيرة، تعتقد أن ضرائبهم قُدمت عطايا للأغنياء.
وإثر المفارقة السابقة، تتصاعد مناهضة العولمة، ويتعزز في نفوس هذه الفئة خطاب القومية والحمائية.
شعر ليبراليو وعرابو العولمة في أوروبا بارتياح كبير عندما انتخب ماكرون رئيسا لفرنسا، فهو كان من النمط الذي يرجّحه عرابو العولمة، واسم يمكن أن يعمل مع المستشارة الألمانية ميركل.
وقد أسلفت في مقالات سابقة لي، أن الصعاب ستواجه ماكرون فيما إذا واصل السير على خطى الليبراليين وعرابي العولمة وتبنى سياسات ميركل والاتحاد الأوروبي.
فحصول ماكرون على مقاليد الدولة في فرنسا كان أشبه بوضع سدٍّ أمام ماء جارٍ، وما آلت إليه الأمور اليوم تشير إلى أن المياه على وشك أن تحدث الطوفان وأن السد في مرحلة الانفجار.
الطبقة المتوسطة والفقيرة في فرنسا غاضبة من سير ماكرون في مسار ميركل، ومما نراه فإنه حتى وإن أكمل ماكرون مدته الرئاسية الحالية، فإن إعادة انتخابه مجددا على رئاسة فرنسا في الانتخابات المقبلة شبه مستحيلة.
وأخيرا، مزاعم أن هذه المظاهرات ليس لها داعم غير دقيقة، فليس هناك حراك شعبي غير منظم ومن دون مرشد، ومن المؤكد أن هناك فريق أساسي يدير هذه المظاهرات، فاليمين المتطرف ينظم صفوفه في أوروبا منذ فترة طويلة.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!