"مخاطر" المشروع التركي في المنطقة

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

كثير من الدول الحديثة في وقتنا الحاضر، ليست وليدة العدم بل ولدت من رحم تاريخ وطويل تمتلكه، وبعض الدول الأخرى ولدت نتيجة اتفاقيات أكبر من حجمها، قد تزول عند زوال هذه الاتفاقيات أو انتفاء جدواها.

ولكل دولة كبيرة صاحبة تاريخ متجذر في الماضي، مشروع حديث تسعى لتطبيقه، سواء كان مشروعا يعود بالخير على الغير أو عكس ذلك.

وتخرج من هذه القاعدة ما يُسمى بـ"دولة إسرائيل"، التي لا يمكن اعتبارها دولة حديثة لها تاريخ في المنطقة، لأنها وبلا خلاف عند كل ذي عقل وضمير "دولة" احتلال.

وبالعودة لأصل القاعدة، تعتبر تركيا من الدول الكبرى التي تمتلك تاريخا عظيما يمتد لآلاف السنين، فهي ليست دولة صغيرة لا منذ تأسيسها عام 1923، ولا اليوم في ظل تمتعها بقوة كبيرة تزداد يوما بعد يوم في ظل حكومات حزب العدالة والتنمية والرئيس رجب طيب أردوغان.

ولذلك ومن الطبيعي أن يكون لتركيا مشروع تسعى لتحقيقه خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من تغيرات هائلة، وإلا لقلنا أن من يتقلد مقاليد الحكم في هذه الدولة يعاني من خلل ما، ومن الطبيعي أن يكون المشروع خيرا لها ولمواطنيها، ولكن السؤال: هل في هذا المشروع خير لمن هم من غير مواطني الجمهورية التركية؟ وما هي "مخاطر" هذا المشروع.

بداية، لابد من الإشارة إلى أن المشروع التركي في المنطقة، يتلخص بكلمات قليلة، وهي: بناء منطقة قوية موحدة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وأمنيا، خالية من العصبيات القومية والعرقية، أسسها الإسلام الذي يتضمن أسمى مفاهيم الوحدة بين البشر عامة وأبناء الأمة الواحدة خاصة.

وبكل تأكيد فإن أي مشروع يُبنى على أسس الإسلام الصحيح، لا إسلام الأهواء والطوائف والمذاهب والعصبيات والمصالح الضيقة، سيكون مشروعا فيه الخير لمن يسعى لتطبيقه ولكل من سيدخل في دائرته.

وأي مشروع في منطقتنا لا تكون أسسه مبنية على المفاهيم الإسلامية الصحيحة، فإن الفشل حليفه ومخاطره واضحة، تتمثل بالسيطرة والخراب والتمزيق وزرع الفتن وقهر الشعوب وتدمير مكتسباتها.

وبالتأكيد فإن المشروع التركي ليس مبنيا على هذه الأسس مطلقا، وخير شاهد على ذلك التاريخ الناصع والحاضر اللامع، فحيث وجدت تركيا وجد الخير والأمن والاستقرار، وهذه الحقيقة نسمعها ممن هم من غير مواطني الجمهورية التركية.

ولكن، وبالرغم من كل هذه الإيجابية فإن للمشروع التركي "مخاطر".

 

كيف تعمل تركيا على ترجمة مشروعها لواقع ملموس؟

أولا: بالتاريخ السياسي، فتركيا اليوم تعمل على إعادة إحياء التاريخ الصحيح الذي يؤكد على وحدة الأمة، لا التاريخ المزور الذي زرع البغضاء والأحقاد بين أبناء المنطقة.

ثانيا: بالتوسع الدبلومسي، تركيا اليوم تسعى لتمتلك عضوية في الكثير من المنظمات الإقليمية، فيكون لها دور فعال في التخطيط والقرار للحاضر والمستقبل، فضلا عن زيادة ممثلياتها الدبلوماسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

ثالثا: ثقافيا، تركيا اليوم تعزز التبادل الثقافي بين أبناء المنطقة بشكل كبيرة، سواء من خلال المنح للطلاب الأجانب أو إرسال طلاب أتراك يدرسون في الخارج، أو من خلال المؤتمرات والمناسبات والمهرجانات الثقافية، التي تقوي أواصر العلاقات بين أبناء المنطقة وتقوي اللحمة بينهم.

رابعا: إعلاميا، تركيا اليوم تعمل على إعادة روح الماضي المشرق وروح المحبة والأخوة والوحدة بين أبناء الأمة والمنطقة، حتى من خلال المسلسلات سواء تلك التي تحكي تاريخا عظيما نتعطش لمثل أمجاده، أو تلك التي تحكي واقعا نعيشه إلا أنه مغيّب عن الكثيرين بسبب المنصات الإعلامية الممولة من رافضي المشروع التركي بسبب "مخاطره".

 

خامسا: اقتصاديا، تركيا اليوم تعمل على مفهوم التكامل الاقتصادي بينها وبين أبناء المنطقة الواحدة، الأمر الذي يعود بالفائدة على كل الأطراف، وهذه النقطة من أهم أسباب الحرب الاقتصادية التي تشنها قوى عالمية ضد تركيا.. تركيا التي تريد أن تؤسس لمفهوم اقتصادي عالمي جديد متحرر من سطوة وظلم الولايات المتحدة.

سادسا: التنمية التي تعمل تركيا اليوم على نشرها في كل منطقة تصل إليها، خاصة في منطقتنا، والمؤشرات تؤكد أن تركيا هي الأولى عالميا خلال العام 2018 في مجال تقديم الخدمات التنموية والمساعدات الإنسانية.

سابعا: كسب قلوب الملايين في المنطقة والعالم، كسب بالإحسان والخير والخدمة والحب لا بالإكراه والقتل والظلم، الأمر الذي سيساهم في ترجمة المشروع التركي.. مشروع الخير والتنمية والتحرر من سطوة المتحكمين الظالمين بالعالم.

 

بعض من صور المشروع التركي في المنطقة

لا يمكن لعاقل ـ مهما كان توجهه ـ أن ينكر أن تركيا قوة إقليمية صاعدة ولرأيها أهمية كبيرة في السياسات الإقليمية والدولية، ولا يمكنه أن يتغافل عن الروابط الكبيرة التي تربطها بدول المنطقة ووالعالم العربي، من روابط دينية وتاريخية وجوار جغرافي وعادات وتقاليد وثقافة.

تسعى تركيا اليوم لبناء أفضل العلاقات مع العالم العربي، وهي علاقات متميزة حاليا على المستوى الشعبي والسواد الأعظم من أبناء الوطن العربي، والحال نفسه مع كثير من الحكومات، إلا تلك التي مازالت تمارس أساليب الظلم على شعوبها.

إن بناء علاقات طيبة بين تركيا والعالم العربي ـ والطبيعي أن يكون ذلك ـ أمر سيكون له انعكاسات إيجابية على الجميع على الصعد الاقتصاية والسياسية والأمنية وحتى العسكرية، عل المنطقة تخرج من هيمنة القطبية العالمية.

لم تتخل تركيا الجديدة ـ بمشروعها الذي تسعى إليه ـ عن القضية الفلسطينية، وهي تقف اليوم صامدة في وجه صفقة القرن وتقديم عاصمة فلسطين "القدس" هدية للاحتلال الإسرائيلي، وقفة قوية لا تتزعزع هي من أسباب الحرب التي تشنها بعض القوى العالمية ضد تركيا وشعبها.

تركيا الدولة الأقوى في المنطقة التي تصر وتصر على وحدة الأراضي العراقية ووحدة الأراضي السورية، وهي تخوض لأجل ذلك حربا سياسية شرسة مع القوى العالمية التي تريد مزيدا من الشتات لمنطقتنا، وتخوض حربا عسكرية ضد التنظيمات الإرهابية في مناطق شمالي العراق وسوريا، تنظيمات تدعمها تلك القوى الظالمة بالسلاح والمال فقط لأجل تفتيت المنطقة وضرب تركيا.

تركيا تقف إلى جانب الشعوب في المنطقة، وتعارض مضطهديها، وتعارض الأنظمة الانقلابية التي لم تأت لبلادها إلا بكل ضرر وشر، وبالتالي تركيا لا ترغب بأن ترى دولة ما في المنطقة تعاني من أزمات سياسية أو اقتصادية وهذا ما يصب أولا وأخيرا في مصلحة الشعوب قبل أن يكون لتركيا منه جزء من الخير.

 

مكامن "الخطر"

يدرك الشعب التركي والشعب العربي أنه لا مخاطر من مشروع تركيا الحديثة، فكلا الشعبين يعلم حقيقة أن مشاريع الوحدة والتآخي والتكامل الاقتصادي والمزج الثقافي، تعود بالنفع على كافة الأطراف، وبالتالي قوة هائلة في المنطقة لن تستطيع أن تقف في وجهها أي قوة في العالم، ونحن نمتلك في منطقتنا ما يؤمن لنا اكتفاءا ذاتيا هائلا.

وما يؤكد أن قضية الوحدة بين شعوب منطقتنا ـ ورغم كل الضغوط الرافضة لها ـ أصبحت واقعا حقيقيا، هي تلك الحملات الشعبية العربية التي شهدناها في كل الدول العربية دعما لليرة التركية في مواجهة غطرسة الدولار الأمريكي.

حملات أدت لأن تطفو على السطح قضية "مخاطر" المشروع التركي، فهذا المشروع وكما هو آمن بالنسبة للشعوب وعدد من الحكومات، إلا أنه فعلا يعتبرا خطرا على المشاريع الأخرى التي ترفع شعارات القتل والظلم والتقسيم والطائفية والعنصرية والاستغلال والعنجهية.

من يسير في ركب هذه الشعارات ـ من أفراد ودول وحكومات ومنظمات ـ يعلم جيدا حقيقة المشروع التركي وبالتالي ينادي ليل نهار "أنقذونا من مخاطر هذا المشروع".. فهو يدرك أن انتصار هذا المشروع سيلغيه هو وكل مؤامراته ومخططاته السلبية.

تلك القوى التي أوجعها نقاء المشروع التركي، لا تريد أن ترى عراقا موحدا، ولا تريد أن ترى سوريا موحدة، ولا تريد أن ترى القدس عاصمة لفلسطين، ولا تريد أن ترى مقاومة قوية في غزة، ولا تريد أن ترى دولة متقدمة حضارية مزدهة في مصر، ولا تريد أن ترى علاقات أخوية طيبة بين دول الخليج، ولا تريد أن ترى ليبيا آمنة، ولا تريد أن ترى يمنا موحدا مزدهرا... ولا تريد أن ترى شعوبا متحابة فيما بينها، ولا تريد أن ترى سلاما وأمنا يعمّان المنطقة.

بل تريد تقسيم سوريا والعراق واستمرار القتال والدم في غير مكان من منطقتنا، تريد أن تنهب وتسرق ثروات منطقتنا، تود أن تبقى الشعوب فقيرة كي يسهل استعبادها، تريد أن تتعامل مع مسؤولين خاضعين ذليلين، تريد أن تحتفل ببيع فلسطين، وتدمير البنية الاجتماعية لشعوب منطقتنا.. تريد وتريد وهي فعلا لا تريد لنا إلا كل شر وضرر وتفرقة وتشتت.

ولذلك فإن المشروع التركي خطر عليها وعلى توجهاتها ومخططاتها، فهي في حالة تناقض تام مع تركيا، والفرق بينها وبين ما تريده تركيا كما بين المشرق والمغرب.

لا تخرج تركيا من حرب إلا وتدخل في أخرى، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو أمنية، وكل ذلك لأنها تدفع ثمن مشروعها أمام قوى الظلم العالمي وعملائها في المنطقة.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!