ألفان و330 كلم أردوغانية حمت الأرض الإدلبية

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

كلنا تابعنا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم 7 سبتمبر/أيلول الجاري في العاصمة الإيرانية طهران التي زارها للمشاركة بقمة جمعته مع الرئيسين الإيراني حسن روحاني والروسي فلاديمير بوتين، تابعناه وهو يتكلم وحيدا دون أي دعم عربي أو إسلامي، مدافعا عن ملايين السوريين المدنيين المتواجدين في محافظة إدلب السورية.

 

ورغم كل التخاذل من الجهات التي كان من المفترض أن تدعم المدنيين في إدلب وتقف إلى جانبهم، لم يظهر أردوغان في طهران ضعيفا على الإطلاق، بل نطق بالحق في وجه العالم كله، كيف لا وهو يسير على طريق الحق يؤيده أهل الحق والأرض!

 

الموقف الأردوغاني الصارم في طهران، نجح في حماية الأرض الإدلبية من هجوم عسكري، كل المؤسسات الدولية حذرت منه ومن تداعياته الخطيرة وخاصة على المدنيين لناحية ارتكاب مجازر وحشية بحقهم، ذاك الموقف في قلب العاصمة الإيرانية سيسجله التاريخ في صفحاته البيضاء، أن زعيما واحدا في العالم قطع مسافة 1400 كلم من العاصمة التركية أنقرة إلى طهران من أجل أن يدافع بالدرجة الأولى عن إدلب ومدنييها، ويقدم للقوى التي تريد الضرر بالإدلبيين حلولا منطقية تجنب المنطقة كارثة جديدة.

 

المسافة بين أنقرة وطهران لم تكن كافية لطمأنة أردوغان أن شبح العملية العسكرية قد تبدد من فوق رؤوس أهل إدلب المدنيين، ولذلك رأيناه اليوم يسافر أيضا مسافة 930 كلم جديدة من إسطنبول إلى مدينة سوتشي الروسية للقاء بوتين للمرة الثانية خلال أقل من أسبوعين، وعادة وفي الأعراف الدبلوماسية لا يلتقي زعيما بلدين مرتين خلال هذه المدة القصيرة، ولكن الأمر جلل وأردوغان مستعد لكسر كل الأعراف الدبلوماسية الدولية، في سبيل حماية المدنيين في إدلب وحماية الأمن القومي التركي.

 

كل هذه الخطوات الأردوغانية تتم على مرأى ومسمع قادة وجهات ومؤسسات عربية وإسلامية لم تقدم أي دعم لأردوغان في حربه الشرسة لمنع الكارثة في إدلب، ولكن أردوغان لم يلتفت لهذه الخيانة وتابع حربه التي كسبها بفضل الله تعالى ثم حنكة السياسة التركية.

 

عدا أردوغان، لم يكلف أي زعيم في العالم أن يقوم بمجرد رفع سماعة الهاتف لبوتين ـ دون أن يقطع آلاف الكيلومترات ـ ويطلب منه أن يوقف خططه لمهاجمة المدنيين في إدلب... مجرد طلب لم يشاهده الإدلبيون، ولن نتحدث عن إمكانية الكثيرين على رفع السماعة لبوتين وتهديده بالمصالح الضخمة التي تربط روسيا مع هذه الدولة الإسلامية أو تلك الدولة العربية.

 

جهات وعدا أنها لم تقدم أي دعم لأردوغان أو أي مساندة ولو كلامية لأهل إدلب، إنبرت منذ أكثر من أسبوعين تشكك في نية أردوغان وتبخسه جهوده ومساعيه، حقدا دفينا أسودا في قلوبها، بل وانبرت أيضا تخوّن 3.5 مليون مدني بريء في إدلب، ولكن شاء الله سبحانه وتعالى أن يفضح هذه الجهات وأن يعز أردوغان بصدقه وجهوده وأن ينيله شرف النجاح في حماية ملايين الأبرياء، كانت تـُحضّر لهم أبشع الخطط الإجرامية.

 

وشاء الله تعالى أن يكسر شوكة تلك الجهات، وأن يرفع من قدر المدنيين الصادقين المحاصرين في إدلب... مدنيون أظهروا للعالم أجمع في مظاهراتهم الحاشدة يوم الجمعة الماضي أنهم عرفوا الحقيقة، حقيقة من خذل الشعب السوري كله على مدار السنوات الماضية، وحقيقة من نصر هذا الشعب.

 

فرغم كل الضغوط الهائلة التي كانت تمارس على أردوغان، والتي وصلت إلى محاولات اغتيال ومحاولة انقلابية عسكرية في 15 تموز/يوليو 2016، ومحاولات تدمير اقتصاد بلاده، لم يتراجع عن موقفه المناصر للشعب السوري ومطالبه.

 

في ما يخص إدلب.. لا يقوم أردوغان بما يقوم به، من باب الصدفة أو من باب تسجيل مواقف سياسية هنا أو هناك، بل يقوم به من منطلق إنساني ديني أخلاقي ـ تفتقده تلك الجهات الآنف ذكرها ـ ومن منطلق تاريخي، فكما وقف أهل إدلب مع الدولة العثمانية في أكبر معاركها التاريخية، وقبور الشهداء الإدلبيين في تركيا خير دليل على صدقهم، فإنه من واجب تركيا أن تقف اليوم مع ذاك الشعب، على الأقل ردا للجميل.

 

اليوم ليس كالأمس في تركيا، وتركيا اليوم ليست كتركيا قبل المحاولة الانقلابية الفاشلة، وليست كتركيا قبل النظام الرئاسي الجديد، وليست كتركيا التي كانت مقيدة بأغلال الغرب وأميركا، بل إن تركيا اليوم ستذهب حتى النهاية لحماية المدنيين في إدلب ولن تسمح بتكرار أي سيناريو سابق شهدناه في بعض المناطق السورية خلال السنوات الماضية، ولن تسمح بالمساس بأمنها القومي.

 

إذن أردوغان وبعد 2330 كلم قطعها بين أنقرة وطهران من جهة، وبين إسطنبول وسوتشي من جهة أخرى، نجح بحماية المدنيين في إدلب... نجح بذلك متسلحا بقوة الله تعالى ثم قوة الشعب التركي وصمود أهالي إدلب.

 

إستطاع أردوغان أن يسحب ذريعة الإرهابيين ممن كان يريد شرا بالإدلبيين، على أن تقوم تركيا بإيجاد حل لتلك التنظيمات التي يعاني منها أهالي إدلب أنفسهم قبل غيرهم، والمنتظر من قادة تلك المجموعات أن يتخذوا قرارات تتماشى مع الشعارات الدينية التي يرفعونها وأن لا يتسببوا بضرر لملايين المدنيين تحت حجج دينية واهية.

 

تلك التنظيمات تشكل خطرا على المدنيين في إدلب، وتشكل خطرا على القوى السورية المعارضة المعتدلة، وتشكل خطرا على الأمن القومي التركي، وهي في الحقيقة لا تشكل أي خطر على الجهات التي تريد أن تهاجم إدلب، بل تعطيها ذرائع لتحقيق مشاريعها في إدلب، كما أعطتها ذرائع مشابهة في مناطق سورية أخرى.

 

وإلى جانب ذلك، كان الضغط العسكري التركي العلني كبيرا جدا وغير مسبوق على الحدود مع سوريا وحتى في بعض مناطق حماة وإدلب السوريتين.. رسالة فهمتها إيران وروسيا أن تركيا لا تمزح أبدا هذه المرة، وهي ذاهبة حتى النهاية لحماية المدنيين وحماية أمنها القومي، رسالة جعلت كل الأطراف تعيد حساباتها جيدا في إدلب.

 

إقتصاديا، لا ملجأ لإيران في ظل العقوبات الأمريكية عليها إلا تركيا، والإيرانيون يدركون هذه الحقيقة جيدا... أمر ساهم أيضا في فرض وجهة النظر التركية المتمثلة بأن إدلب لا يجب أن تشهد أي عملية عسكرية تحت أي ظرف من الظروف، وتركيا مستعدة لحل المشكلة بطريقتها الخاصة.

 

ونقاط أخرى كانت بيد أردوغان، أدت لنجاحه ـ رغم كل الخذلان ـ وأدت لحماية المدنيين وأرض إدلب... نقاط ربما ليس من الجيد ذكرها الآن بل يكشفها التاريخ.

 

الفضل أولا لله تعالى أن أطفأ نار الحرب التي كانوا يوقدونها، والشكر يقدمه أهل الفضل لمن قاوم وجاهد ووقف إلى جانب المدنيين أهل الحق، والخزي والعار لمن صمت وتخاذل وتآمر على أهل الحق.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!