تركيا وقطر تحالف تاريخي يرسم مستقبل المنطقة

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

إن التميّز في العلاقات التركية القطرية ليس وليدة الحصار الرباعي المفروض على دولة قطر منذ 5 حزيران/يونيو 2017، بل إن هذا التميز يعود إلى 147 عاما عندما دخل العثمانيون قطر بدعوة من الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني، فتشكل يومها تحالف بين آل ثاني والسلطان العثماني عبد العزيز.


 

تعززت هذه العلاقة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني الذي استلم الحكم عام 1876 وعهد الشيخ قاسم بن محمد بن ثاني مؤسس دولة قطر الذي استلم الحكم عام 1877، وتظهر المراسلات التي كانت بين الرجلين مدى الاحترام والتقدير الذي كان يكنه كلا منهما للآخر.


 

الوثائق التاريخية تؤكد أن السلطان عبد الحميد الثاني لم يهتم بالشكاوى التي كان يقدمها الإنكليز بشكل مستمر ضد الشيخ جاسم، وعلى الرغم من كل التحريض الذي يقوم به الانكليز بين الرجلين إلا أنهما لم يقعا بفخهم وحافظا على علاقتهما الطيبة ومصالح الأمة.


 

وتؤكد المراجع التاريخية أيضا أن إمارة قطر هي الإمارة الوحيدة التي دافعت الدولة العثمانية عن حقها في تقرير مصيرها الخاص ما دفع الإنكليز للقبول بما يريده العثمانيون، الأمر الذي هيأ الظروف لظهور دولة قطر الحديثة، فكانت الرؤية العثمانية صائبة أن الشيخ جاسم وشعبه لديهم القدرة على إدارة دولة مستقلة، دولة أصبحت اليوم في مقدمة الدول المتطورة على مختلف الأصعدة.


 

ومع الدولة التركية الحديثة التي تأسست بعد إسقاط الدولة العثمانية، نرى اليوم العلاقات التركية القطرية محافظة على جوهرة ثمينة هي تركة السلطان عبد الحميد الثاني والشيخ جاسم، جوهرة يحافظ عليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.


 

في كانون الأول/ديسمبر 2016، وللمرة الأولى في تركيا رُفعت صورة زعيم عربي غير تركي في البلاد، هو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى جانب صورة الرئيس أردوغان ومؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، وكان ذلك خلال افتتاح مجمع "شنول جوناش" الرياضي في ولاية طرابزون شمالي تركيا.


 

حادثة ليست بالعادية إذ أنه من المعروف عادة أن صور المسؤولين الأتراك فقط ترفع في مثل هذه المناسبات، فكان رفع صورة الشيخ تمام دلالة على عمق العلاقة الطيبة بين تركيا وقطر، علاقة أصبحت إستراتيجية بكل المقاييس، تُسعد من يريد الخير لهذه الأمة، وتغيظ من هم في الطرف الآخر.


 

من أبرز ما يميز علاقات تركيا وقطر الشأن العسكري، إذ أنه بعد اتفاقية الدفاع المشترك عام 2014 قامت تركيا بتأسيس أول قاعدة عسكرية لها في شبه الجزيرة العربية منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، قاعدة تعززت بعد حصار قطر.


 

وإلى جانب هذه القاعدة نتابع بشكل دوري المناورات العسكرية المتنوعة والزيارات العسكرية المتبادلة بين الجيشين التركي والقطري.


 

التميز في العلاقات يمتد إلى الجانب الاقتصادي فرأينا الدعم التركي الكبير مباشرة بعد الحصار، ورأينا الدعم القطري الباهر لتركيا في هذا الجانب يوم أن شنت بعض القوى الإقليمية والدولية حربا مالية اقتصادية على تركيا في 10 آب/أغسطس 2018، وهذا الجانب لم يقتصر في تميزه على الطبقة الحاكمة في كلا البلدين، بل امتد ليكون دعما متبادلا بين شعبي البلدين أيضا.


 

ولا ينبغي لأحد أن ينسى أن قطر كانت أول دولة في العالم ـ ومنذ اللحظات الأولى ـ أعلنت تأييدها للرئيس أردوغان والحكومة المنتخبة ضد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قامت بها منظمة "فتح الله غولن" الإرهابية مدعومة بأموال بعض الدول العربية وتأييد وتحفيز أمريكي غربي، يوم 15 تموز/يوليو 2016.


 

حتى إعلاميا نرى اليوم تعاونا ناجحا بين البلدين خاصة في المتابعة الدقيقة الحثيثة لجريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في مدينة إسطنبول التركية في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2018، الأمر الذي ساهم وبقوة بإبقاء هذه القضية حية حتى يومنا هذا وبالتالي لم يسمح للمجرمين (من أمر ونفذ وسهّل) بإخفاء جريمتهم الوحشية ولن يسمح في المستقبل القريب بهروب هؤلاء من العدالة.


 

وإلى جانب هذا الحلف والتعاون البناء بشهادة خبراء السياسة والاقتصاد في العالم، هناك محور آخر في الشرق الأوسط متمثل بالدول الأربعة التي تحاصر قطر وتهاجم تركيا ليل نهار، محور رباعي يُنظر إليه على أنه المتسبب والداعم للانقلاب العسكري الذي شهدته مصر عام 2013، وكذلك المتسبب والداعم للفوضى التي تعيشها ليبيا، وأيضا المتسبب والداعم لكل من هم ضد الثورة السورية، فضلا عن تسببه بالمأساة التاريخية التي يعيشها الشعب اليمني.


 

محور أضر بأهله وجيرانه ولم يضر أبدا بالجهة التي تأسس من أجل مواجهتها ـ كما يُزعَم ـ وهي إيران، إيران التي نراها تقوى يوما بعد اليوم في حين أن دول هذا المحور تضعف يوما بعد يوم وهي لا تواجه طهران إلا بالشعارات الرنانة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، أما على أرض الواقع فعلاقاتها مع "الفرس" ممتازة!


 

في منطقة الشرق الأوسط اختارت تركيا وقطر الوقوف إلى جانب الشعوب العربية التي انتفضت على ديكتاتوريات ظالمة، ولو اختارت بقية دول المنطقة أن تقف الموقف نفسه مع تلك الشعوب لما وصل حال أمتنا إلى ما هي عليه اليوم من أوضاع متردية مأساوية فضلا عن السير بصفقة القرن وبيع فلسطين والشعب الفلسطيني ومدينة القدس والمسجد الأقصى للاحتلال الإسرائيلي.


 

ولكن المحور الرباعي اختار دعم الثورات المضادة ونشر الفوضى في دول الربيع العربي، ليس إلا لخوفهم من الديمقراطية و"الإسلام السياسي"، فهم يعلمون أن هاتين النقطتين في حال تحققتا في دول الربيع العربي فإن دعائم كراسي الكثير من الحكام ستهتز أو على الأقل سيفضح الربيع المزهر خريف الدول وتقصير مسؤوليها بحق شعوبهم فضلا عن عمالتهم لأعداء الأمة.


 

ولكن اليوم ومن الواضح أن التحالف التركي القطري الذي يستمد قوته من تاريخه وحاضره وأهدافه الاستراتيجية المرسومة له، هو الذي سيكون السيد والمرجع في المنطقة، فالشعوب وعيت وعلمت الجهات التي تقف معها وتلك التي تقف ضدها، والقرار في نهاية المطاف ـ مهما طال الزمن ـ هو للشعوب وقرارها.


 

لن تقف الشعوب مع أنظمة همها الأول التطبيع مع عدو محتل للأراضي العربية الإسلامية، وهمها الثاني وأد تطلعات الشباب في حاضر مزهر ومستقبل مشرق، وهمها الثالث حماية كراسي حكامها، وهمها الرابع استهداف الدول الصاعدة في نموها واقتصادها وتطورها، وهمها الخامس مشاريع توسعية وإخضاع دول قائمة لإرادتها وتوجهاتها، وهمها السادس محاربة الديمقراطية في الشرق وبطرق فظيعة تتجاوز في كثير منها أساليب العقل البشري.


 

سمعة الأنظمة التي تقتل وتسجن الصحافيين والدعاة وتدعم الانقلابات العسكرية وتغطيها أصبحت في الحضيض عالميا، وبعض تلك الأنظمة قيد الملاحقة الإعلامية والسياسية وقريبا القضائية بسبب ملفات القتل والظلم والتعذيب، وبالتالي لابد للعالم أن سيزدرئها يوما ما، وستبقى حينها الغلبة للشعوب الحرة ولمن دعمها ووقف إلى جانبها وعلى رأس الداعمين تركيا وقطر.


 

تركيا وقطر دولتان ـ وعلى عكس الرباعية ـ يقوى نجمهما عالميا، فالأولى أصبحت قوة إقليمية لا يُستهان بها وقوة دولية مسموعة الرأي يؤخذ برغباتها، قادرة على فرض ما تريد في العديد من الميادين والساحات، نجحت في استقطاب القوى العالمية الكبرى إليها، استحوذت على العديد من المشاريع العملاقة العالمية، تنمو وتتقدم بخطى متسارعة ثابتة نحو عام 2023 حيث ستكون حينئذ من الدول الإقتصادية العشرة الأولى في العالم.


 

أما الثانية ـ قطر ـ فأصبحت دولة مستقلة القرار تجيد اللعب في الميادين السياسية لما فيه مصلحتها ومصلحة شعبها وأمتها، قادرة على التحرك ذاتيا في ساحات الاقتصاد وأسواق الغاز والنفط، استقطبت أهم الأحداث الرياضية في العالم، بنت شبكة علاقات دولية تحلم بها الكثير من دول الرباعية والعالم.


 

مستقبل المنطقة ـ ومهما كانت الضغوط ـ هو للشعوب الربيعية ومشاريعها وتطلعاتها المدعومة من الأقوياء الأحرار في قرارتهم أصحاب الرؤى الاستراتيجية الإيجابية البناءة، وإذا كان أول الغيث قطرة فأول الخير تركيا وقطر.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!