في أول ليلة رمضانية... غاب "طربوش" الوحدة العربية التركية

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

 

كعادتنا في كل مناسبة إسلامية، نتبادل التهاني والتبريكات مع الأقارب والأصدقاء والمحبين، إلا أن تهاني وتبريكات شهر رمضان المبارك الذي بدأ اليوم الإثنين بيومه الأول، امتزجت بآلام ومآسي تعيشها أمتنا الإسلامية في غير مكان من العالم.

وما زاد الحزن حزنا، الخبر الفاجعة الذي صُبّ على تركيا والأمة الإسلامية مع بداية الساعات الأولى لأول ليلة من شهر رمضان المبارك، وهو وفاة الأستاذ الأديب الموسوعة المؤرخ المفكر التركي "قدير مصرأوغلو" بعد صراع طويل مع المرض، توفي صاحب الطربوش الأبرز في تركيا، من أصر على طربوشه رغم حظره من قبل القوى العلمانية.

توفي "مصرأوغلو" اليوم في إسطنبول، على أن تكون جنازته أول جنازة تقام في أكبر مسجد في تركيا "مسجد تشامليجا" المتربع على إحدى تلال القسم الآسيوي من مدينة إسطنبول، والذي افتتحه محب "مصرأوغلو" الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل 3 أيام.

ولد "مصرأوغلو" عام 1933 في ولاية طرابزون شمال شرقي تركيا، درس القانون في جامعة إسطنبول، كان يجيد 4 لغات كتابة وتكلمًا هي العربية، العثمانية، الفارسية والتركية.

كان رحمه الله تعالى ضليعًا بعلم التاريخ، فألف 64 كتابا وكتب آلاف المقالات والرسائل، وأعطى مئات الساعات من الندوات والمحاضرات، فعُرفه بأنه ذاك الباحث الذي أفنى عمره بكشف الحقائق التاريخية المخفية عن الناس، حقائق توحد صفوف أبناء الأمة ولا تفرقهم.

وبسبب سيره على هذا الخط، تعرض "مصرأوغلو" لحرب شعواء من قبل أولئك الذين ينزعجون من حقائق التاريخ، ويتغذون على أكاذيب التاريخ التي تزرع الشقاق بين المسلمين تحت حجج طائفية أو عرقية أو قومية أو مناطقية.

سجنوه ونفوه وحاربوه بشتى الوسائل، حتى وصل الأمر بهم لاتهامه بالجنون والخرف، كيف لا وهو الذي كان يستحوذ على مئات الوثائق التاريخية التي تُكذّب الكثير من الأنباء الواردة في كتب التاريخ المزوّر، وثائق وحقائق كان عندما يطرحها للنقاش يعجز الخصوم عن الرد عليه.

هو أبرز من انتقد اتفاقية لوزان التي وقعتها الدولة العثمانية مع الغرب لتخسر بموجبها شرف حمل راية الإسلام والمسلمين، كما كان صاحب جرأة جعلته ينتقد علنا مواقف عديدة لمؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك.

وفي هذا السياق ألف أول كتاب بعنوان "معاهدة لوزان.. انتصار أم خدمة؟!" وذلك عام 1964، منتقدا معاهدة لوزان والقائمين عليها من الطرف التركي.

بلا منازع كان "مصرأوغلو" يُعتبر أكثر المؤرخين المدافعين عن الإسلام  والتاريخ العثماني، وخاصة عن فخر الدين باشا حامي المدينة المنورة في أواخر العهد العثماني، والذي قدّم نموذجا بطوليا في الدفاع عن مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بوجه الأطماع الإنكليزية.

فضح "مصرأوغلو" الأكاذيب التي يروجها الإنكليزي وعملاؤهم حول الأوضاع في المدينة المنورة في تلك الفترة، وأكد مرارا وتكرارا وبالأدلة والشواهد في كتبه أن الحصار الإنكليزي للمدينة هو الذي تسبب بموجة من الجوع والعطش لسكانها، لا سياسات فخر الدين باشا الذي عمل على حماية المدينة وشعبها من الحصار، فضلا عن مساعدته للمحتاجين بالمال والطعام.

ومن أبرز ما كان يركز عليه "مصرأوغلو" فضح السياسيات الصهيونية عبر التاريخي، مثبتا بالأدلة والشواهد في العشرات من كتبه أن "إسرائيل" ما هي إلا كيان صهيوني قائم على الإرهاب والقتل والظلم... لقد كان رحمه الله تعالى من أشد المناصرين للشعب الفلسطيني في نضاله ضد الاحتلال الصهيوني.

أما القضية الأبرز التي طالما دافع عن صوابيتها رحمه الله، فهي نفيه المطلق وأيضا بالأدلة والشواهد التاريخية ما يردده البعض في تركيا والعالم العربي أن "العرب خانوا الدولة العثمانية"، إذ أن "مصرأوغلو" ينفي هذه الخيانة جملة وتفصيلا، ويهاجم من يدعي وقوعها.

ربما لم يجرؤ أحد من المؤرخين المعاصرين سواء من العرب أو الأتراك على الحديث بشأن هذه القضية كما فعل "مصرأوغلو" في كتبه وبرامجه ومحاضراته، كيف لا وهي قضية إن مشينا بالأكاذيب التاريخية التي تُلصق بها سيعادي العرب والأتراك بعضهم البعض، وإن مشينا بطريق الحقائق التاريخية بعيدا عن تزوير الإنكليزي وعملائهم فإننا سنكون يدا واحدة اليوم وغدا.

يد واحدة لبناء حاضر قوي لأمتنا ومستقبل مشرق لأجيالنا المقبلة، أما إن بقينا نردد ما زرعه الإنكليزي من أكاذيب في تاريخنا، مبتعدين عن الحقائق التي قدمها "مصرأوغلو"، فلا نلومنّ حينها الغرب وغيره عندما يأتون لاستعمارنا وسرقة أموالنا وثرواتنا ومقدساتنا وشبابنا وأراضينا، فهذا حقهم إن كنا متشتتين متفرقين.

كل من أراد أن يعرف تلك الشواهد والأدلة التاريخية التي ساقها "مصرأوغلو" في شتى المواضيع فعليه بكتبه ومؤلفاته، وإن لم تكن هذه المؤلفات متوفرة باللغة العربية، فإن الدعوة هنا لأهل الاختصاص كي يبدأوا بترجمة هذه الكنوز إلى اللغة العربية، علهم يساهمون بلبنة تسند جسد أمتنا المتهالك، بدل اللعب على وتر العصبيات والتفرقة العنصرية القومية العرقية.

طربوش "مصرأوغلو" سقط اليوم حسيًا، أمّا غير ذلك فهو ارتقى في أول ليلة من شهر رمضان المبارك، ليلة الرحمة الإلهية... والدور علينا أن لا نجعل هذا الطربوش يسقط حقيقةً وإلا سنكون أمام أيام أكثر ظلمة من تلك التي نعيشها اليوم تحت ظل أكاذيب تاريخية عديدة.

رحم الله الأستاذ الفاضل القدير "قدير مصرأوغلو"... وإنا لله وإنا إليه راجعون.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!