ماذا تريد تركيا من خاشقجي والسعودية والعالم؟

جميع المقالات

أخبار تركيا

أسبوعان مرا على اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول التركية، وحتى هذه اللحظة مازالت التحقيقات الجنائية التركية مستمرة لكشف حقيقة ما حصل ومن يقف خلف إخفاء هذا الصحافي المؤثر، تحقيقات تقودها أعلى المستويات الأمنية والقضائية في تركيا تحتاج لوقت كاف كي تكتمل، فنحن أمام جريمة ليست بالعادية، وبالتالي استعجال الأمور ليس في مصلحة التحقيق ولا مصلحة حقوق خاشقجي ولا مصلحة أحد.

 

لا يحق لأحد أن يستبق التقرير النهائي للمدعي العام التركي في هذه القضية، ويطلق اتهامات عشوائية هنا وهناك، سواء لدول أو أفراد أو أجهزة، ولكن هذا لا يعني تساهلا تركيًا مع الأمر ولكن هو حرص على مسار صحيح شفاف للتحقيقات بعيدا أهواء فلان وفلان، ولا يعني أيضا أن تركيا مستعدة للتضحية بهيبتها وسمعتها في العالم أو التخلي عن حقوق خاشقجي، بل هي الدولة الوحيدة الأكثر إصرارا على معرفة كافة ملابسات ما حصل وكشف الجناة مهما علا شأنهم وإحالتهم للمحاسبة القضائية العادلة.

 

تركيا ليست دولة وليدة لا تجيد التعامل مع القضايا الحساسة التي يركب موجتها كثير من المتطفلين من أجل تحصيل مكاسب على حسابنا وعلى حساب أمتنا وعلى حساب مصالح شعوبنا، بل إن تركيا لديها من الحكمة الكبيرة ورجاحة العقل السليمة التي تمكنها من السير في حقل ألغام والوصول في نهاية المطاف إلى نقطة الأمان.

 

الإصرار على كشف حقيقة ما جرى لخاشقجي وعلى محاسبة الجناة ـ كل الجناة ـ لا يعني أن تقوم تركيا بمعاداة السعودية، وهي أصلا لا تسير بسياسة معاداة الدول، فكيف إذا كانت دولا إسلامية؟! وكيف إذا كانت تلك الدولة تضم الحرمين الشريفين اللذين كان لتركيا القديمة أي الدولة العثمانية شرف خدمتهما لسنين طويلة؟!

 

الإصرار على إظهار الحقيقة للعالم والتأكيد على معاقبة من ارتكب هذه الجريمة، لا يعني السماح للمصطادين بالماء العكر أن ينزلوا إلى الميدان، وخاصة دونالد ترامب وأمثاله في الغرب من الذين لا يهمهم خاشقجي ولا الشعب التركي ولا الشعب السعودي ولا مصالح أمتنا، بل يريدون فقط ابتزاز هذه الدولة أو تلك الدولة، بغض النظر إن اتفقنا مع سياسات هذه أو سياسات تلك، ولكن ستبقى شعوبنا هي المتضررة الأولى من ابتزاز أولئك.

 

لو كان ترامب وأمثاله في الغرب مهتمين حقيقة بقضية خاشقجي ـ بغض النظر عن كل معطياتها وخطورتها ـ لكانوا اهتموا حقيقة بملايين الضحايا في سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر، ولما كانوا دعموا مخططات تشتت أمتنا كمحاصرة دولة قطر وتهديد دولة الكويت والسعي لتقسيم العراق وسوريا والعمل على تعزيز الشقاق بين الكثير من الدول العربية المتجاورة.

 

ستبقى تركيا محافظة على سياساتها الإيجابية تجاه دول العالم الإسلامي، ولكن على الآخرين أن يلاقوها أيضا عند منتصف الطريق لا أن يتعاونوا مع الأعداء الذين يبتزونهم ليل نهار، وكذلك هي السياسة الإيجابية لا تعني أن يتم استضعاف تركيا والتقليل من شأنها واستصغار دورها إقليميا ودوليا.

 

وفي القضية التي نحن بصددها، تركيا تسعى بحكمتها وأسلوبها الرصين البعيد عن العصبيات والقرارات الهوجاء، إلى التأكيد أنه من الممنوع منعا باتا المساس بأمنها وهيبتها الأمنية وسمعتها في العالم، فهذا دوس على كرامة الدولة، ولا دولة يقودها مخلصون مثقفون سياسيا تقبل بمثل هذا الأمر.

 

ليست تركيا التي ارتكبت الجريمة بحق خاشقجي، وبالتالي اتهامها من قبل البعض بأنها تريد استهداف السعودية، هو اتهام باطل وغير منطقي، فهي لم تستهدف غيرها من قبل كيف تأتي وتستهدفها اليوم، تركيا كان دورها دائما محاولات إصلاح ذات البين بين الأخوة والدول الشقيقة، ولكن أجندات بعض أصحاب السلطة هنا وهناك لم تلتق مع تركيا والتقت مع أمريكا والاحتلال الإسرائيلي.

 

من المؤكد أن تركيا تعمل من أجل الوصول إلى حل في قضية خاشقجي، حل لن يكتمل إلا بعد انتهاء التحقيقات الجنائية المتوقفة على سماح السلطات السعودية للأمن التركي بتفتيش القنصلية السعودية ومنزل القنصل في إسطنبول، وعدم السماح بذلك لن يكون إشارة خير لأي طرف وللتحقيقات أيضا.

 

هذا الحل يقضي بكشف كل ما جرى لخاشقجي داخل القنصلية السعودية وما حصل يومها في منزل القنصل، ثم محاسبة كل من يقف خلف هذه الجريمة سواء أمر أو خطط أو نفذ أو بارك ومهما علا شأنه، ثم قطع الطريق على ترامب وأمثاله الساعين لاستغلال القضية من أجل الإيقاع بين تركيا والسعودية، وبين العالم والسعودية، وبالتالي مزيدا من الابتزاز والاستنزاف.

 

تركيا تريد من خاشقجي أن يكون مطمئنا أن حقه لن يضيع بين الصفقات، وتريد من السعودية تعاونا جديا كاملا يكشف الحقائق ويحاسب الجناة درءا للمخططات السوداء التي تحضّر لها وللأمة كلها، وتريد من العالم أن يكون صادقا في إنسانيته لا إنسانية مزدوجة المعايير معسولة الألفاظ، تتحرك فقط وفق المصالح المادية دون أي اهتمام بشعوبنا ودولنا، وتريد منه أن يوقن أنه اليوم أمام تركيا لن تسمح لأي طرف أن يظهرها بمظهر الضعيف.

 

من يريد أن يكون في مركب النجاة الآمن، فها هو مركب تركيا يتسع للجميع، مركب تقوده قيم وحضارة وواقع ونهضة لا عصبيات وقوميات بغيضة، أمّا من يريد أن يكون في مركب ترامب وأمثاله فالحذر الحذر لأنه سيغرق بكل تأكيد، ولكن مع الأسف لن يغرق وحيدا مع ترامب، بل سيغرق ومعه شعبه ودولته، وسيتسبب صوت صراخه أثناء الغرق بإزعاج لنا.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!