أسئلة تنتظر أجوبة من داود أوغلو

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

 

نشر رئيس الوزراء التركي الأسبق، أحمد داود أوغلو، مجموعة رسائل في مواقع التواصل الاجتماعي، وجه فيها انتقادات لحزب العدالة والتنمية، داعيا إلى المراجعة وتقييم نتائج الانتخابات المحلية وقراءتها بشكل صحيح.

وسائل الإعلام السعودية والإماراتية طارت فرحا بانتقادات داود أوغلو لسياسات العدالة والتنمية، لأنها في ذات الوقت انتقادات موجهة إلى رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان. كما اهتم بها مثقفون وكتاب عرب، وبدأ بعضهم يغرد حولها بعيدا عن الواقع، ودون أن يعرف خفايا الأمور، وغارقا في أحلام وردية ومثالية وهمية.

داود أوغلو ليس من مؤسسي حزب العدالة والتنمية، بل نزل عليه بالبراشوت، إن صح التعبير. ويعود الفضل في ذلك بالدرجة الأولى إلى أردوغان، لأن داود أوغلو تولى رئاسة حزب العدالة والتنمية ورئاسة الوزراء بعد إشارة أردوغان إليه ليخلفه. ويعرف الجميع، كما يعرف داود أوغلو نفسه، أنه لم يكن بإمكانه تولي رئاستي الحزب والحكومة لو كان أردوغان طلب من أعضاء حزب العدالة والتنمية أن يختاروا غيره رئيسا للحزب. وهذا ليس إجحافا ولا انتقاصا في حق الرجل. بل حقيقة لا يمكن إنكارها.

أردوغان يقوم بعد كل انتخابات بتقييم النتائج لتلقي رسائل الناخبين، ويستمع إلى جميع الآراء والانتقادات. ولكنه ليس ملزما بقبول تلك الآراء والانتقادات، لأنها قد تكون غير صحيحة. وكان بإمكان داود أوغلو أن يوجه رسائله إلى أردوغان وقيادة الحزب لتتم مناقشتها وتقييمها داخل الحزب، دون أن ينشرها في مواقع التواصل الاجتماعي، ودون أن يمنح لأعداء تركيا مادة دسمة يطيرون بها فرحا. وبالتالي، يطرح هذا السؤال نفسه: "لماذا نشر داود أوغلو انتقاداته للحزب في مواقع التواصل الاجتماعي إن كانت نيته الإصلاح وليس التمرد والانشقاق؟"

توقيت الانتقادات هو الآخر يثير علامات استفهام حول الهدف منها. لأن السباق الديمقراطي في إسطنبول لم يحسم بعد، ولم تعلن اللجنة العليا للانتخابات حتى الآن النتائج الرسمية فيها. بل هناك طعون وخروقات وتجاوزات تتم دراستها. وقد تقرر اللجنة العليا للانتخابات إعادة إجراء الانتخابات المحلية في محافظة إسطنبول. ولماذا استعجل داود أوغلو في نشر انتقاداته قبل إعلان النتائج الرسمية في إسطنبول، وبعث رسائل مفادها الاستسلام للهزيمة في إسطنبول، في الوقت الذي يخوض حزب العدالة والتنمية معركة قانونية هامة ويستخدم حقه الدستوري لحماية إرادة الناخبين وأصواتهم؟ ألم يكن بإمكانه أن يتريث لعدة أيام حتى تتضح الصورة؟

داود أوغلو يبني انتقاداته على أن شعبية حزب العدالة والتنمية تراجعت. ولكن هذا القول فيه نظر. وكان الحزب فاز في الانتخابات المحلية السابقة في أنقرة بفارق قليل. وأما في إسطنبول فلا يمكن القول بأنه خسر فيها قبل إعلان النتائج الرسمية. وفاز في مدن وخسر في أخرى، إلا أنه ما زال في المرتبة الأولى، ويتمتع بشعبية واسعة في عموم البلاد.

حزب العدالة والتنمية مني بأكبر خسارة في تاريخه في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في ٧ يونيو / حزيران ٢٠١٥، وتراجعت شعبية الحزب فيها إلى ٤٠،٨٧ بالمائة، ولم يتمكن لأول مرة في تاريخه من الحصول على أغلبية في البرلمان التركي تمكنه من تشكيل الحكومة، وبدأ شبح الحكومات الائتلافية يخيم على البلاد. وكان رئيس حزب العدالة والتنمية آنذاك أحمد داود أوغلو، ولم يتدخل أردوغان آنذاك في تشكيل قوائم المرشحين، إلا أنه بعدما رأى الفشل والخطر الذي يهدد مستقبل الحزب والبلاد تدخل في الأمر، وخاض الحزب بعد أشهر الانتخابات البرلمانية المبكرة في ١ نوفمبر / تشرين الثاني ٢٠١٥، وحصل على ٤٩،٤٩ بالمائة من أصوات الناخبين.

داود أوغلو ينسب الفضل في ذاك الفوز إلى نفسه، لأنه كان في تلك الانتخابات أيضا يتولى رئاسة الحزب، إلا أن الواقع يقول إن الفضل يعود بالدرجة الأولى إلى تدخل أردوغان في تشكيل قوائم المرشحين، وكذلك إلى الناخبين الذين صوتوا لحزب العدالة والتنمية في تلك الانتخابات على الرغم من أنهم يوالون حزب الحركة القومية الذي يرفض داود أوغلو اليوم التحالف معه.

يدعي داود أوغلو في انتقاداته بأن التحالف مع حزب الحركة القومية أضر بحزب العدالة والتنمية، ولكن هذا الادعاء غير صحيح على الإطلاق. لأن حزب العدالة والتنمية نجح في تعديل الدستور، ونقل البلاد من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي بفضل تحالفه مع حزب الحركة القومية. كما أن حزب الحركة القومية يدعم الحكومة في مكافحة الإرهاب، ومواجهة المخاطر والتحديات التي تهدد أمن البلاد ومستقبلها ووحدة أراضيها.

التحالف الذي تقيمه أحزاب المعارضة في النظام الرئاسي يفرض على حزب العدالة والتنمية أن يقيم تحالفا انتخابيا مع أحزاب أخرى. وهل يرى داود أوغلو أن بإمكان حزب العدالة والتنمية مواجهة تحالف المعارضة بمفرده؟ ولماذا يرفض التحالف مع حزب الحركة القومية وهو الذي كان يسعى إلى تشكيل حكومة ائتلافية معه بعد انتخابات 7 يونيو / حزيران؟

إن كان حزب العدالة والتنمية قد خسر نقطة أو نقطتين في الانتخابات المحلية بسبب تحالفه مع حزب الحركة القومية فإنه حصل على خمس أو ست نقاط بفضل هذا التحالف. وهذا هو المنطق في التحالفات الانتخابية، وينظر إلى مجموع الخسائر والفوائد. كما أن نتائج الانتخابات أثبتت أن القائلين بأن الناخبين الأكراد لن يصوتوا لحزب العدالة والتنمية في حال تحالف مع حزب الحركة القومية، أخطؤوا في هذا الاستنتاج والتقدير.

داود أوغلو يطالب بالتغيير في النظام الرئاسي ليستمر انتماء رئيس الجمهورية إلى حزب سياسي ويتم حظر توليه لرئاسة الحزب. ومن المعلوم أن الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي جاء لإزالة الإشكالية المتمثلة في وجود رأسين منتخبين في الحكم، وهما رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. وبعد إلغاء مؤسسة رئاسة الوزراء وتشكيل الحكومة من قبل رئيس الجمهورية انتهت تلك الإشكالية. ألا يرى داود أوغلو أن ما يطالب به سيخلق إشكالية أخرى في العلاقات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحزب الذي ينتمي إليه؟

تخيلوا أن رئيس الجمهورية سيشكل الحكومة ويعين الوزراء ويحكم البلاد ولكنه لن يستطيع أن يعين رؤساء فروع الحزب الذي ينتمي إليه وسيكون بإمكان رئيس الحزب أن يقطع علاقة رئيس الجمهورية بحزبه وأن لا يرشحه لفترة رئاسية أخرى. فهل يريد داود أوغلو أن يفقد أردوغان سيطرته على الحزب؟. ألا يرى أن أي خلاف بين رئيس الجمهورية ورئيس الحزب الذي ينتمي إليه يمكن أن يؤدي إلى أزمة سياسية في البلاد؟

داود أوغلو تولى لمدة طويلة وزارة الخارجية، إلا أنه لم يتطرق في انتقاداته إلى قضايا هامة متعلقة بالسياسة الخارجية. ومن المعلوم أن جزءا كبيرا من المشاكل التي تعاني منها تركيا اليوم سببها الخلاف مع الولايات المتحدة. وهل يرى داود أوغلو مثلا أن على تركيا أن تتراجع عن صفقة شراء صواريخ أس-400 الروسية؟ وما هو رأيه في "صفقة القرن"؟ وهل يرى داود أوغلو ومن معه من الإسلاميين الذين ركبوا بالأمس سفينة مافي مرمرة لكسر حصار غزة أن بإمكانهم أن يدافعوا عن القدس والمسجد الأقصى وهم راكبون في سفينة محمد بن زايد ومحمد بن سلمان لإسقاط أردوغان؟

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!