التمثيل والسياسة

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

 

أثارت تصريحات ممثلين تركيين معارضين للحكومة موجة غضب في صفوف مؤيدي حزب العدالة والتنمية ومحبي رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، بالإضافة إلى المدافعين عن الحرية والديمقراطية، في مقابل تأييد حزب الشعب الجمهوري المعارض برئاسة كمال كيليتشدار أوغلو تلك التصريحات.

الممثل التركي الشهير، متين آكبينار، دعا في برنامج تلفزيوني، إلى الانقلاب العسكري وقتل الرئيس التركي، وقال: "إن "الديمقراطية هي الخيار الوحيد لإنقاذ تركيا من الاستقطاب والفوضى"، ثم أضاف: "إذا فشلنا في ذلك، وعلى غرار ما حصل مع كل أشكال الفاشية، فإن الزعيم يمكن أن يعلق رأسا على عقب أو أن يسمم في زنزانة أو أن يلقى المصير نفسه الذي لقيه قادة آخرون في الماضي". وواصل تهديداته لأردوغان قائلا إن جميع القادة الأتراك "الذين تحولوا إلى روسيا" تمت إطاحتهم في انقلابات عسكرية.

ما يقصده آكبينار لا يخفى على أحد في تركيا التي شهدت انقلابات دموية ومحاولات للانقلاب منذ الانتقال إلى الديمقراطية والتعددية الحزبية في خمسينيات القرن الماضي، كما شهدت إعدام رئيس الوزراء السابق عدنان مندريس بعد الانقلاب العسكري الذي قام به الجيش التركي في 27 مايو / أيار 1960.

التصريحات التي صدرت من الممثل التركي ليست جديدة. لأن الرأي العام التركي سبق أن سمع من كتاب ومثقفين وممثلين وفنانين تصريحات مشابهة. وكلما يئس أحدهم من فوز الحزب الذي يؤيده في الانتخابات أو بعد هزيمته فيها، يخرج ليلوم المواطنين بسبب اختيارهم الديمقراطي، ويتحدث ضد الإرادة الشعبية.

المجتمع التركي سبق أن سمع من إحدى هؤلاء قولها في احتقار لأصوات المواطنين: "هل صوتي وصوت راعي الغنم سواء؟"، على الرغم من أن راعي الغنم ربما أكثر وعيا منها ونفعا للوطن. ومن يسمع منهم مثل هذه التصريحات يظن أنهم خدموا البلاد باختراعاتهم العلمية، مع أن ما يفعله معظمهم مجرد تهريج لإضحاك الناس وتسليتهم.

المرض الذي يعاني منه أمثال آكبينار هو أنهم يرون أنفسهم في أبراج عاجية فوق المواطنين. وهو مرض نجده عند بعض الكتاب والإعلاميين والمثقفين المشهورين أيضا. لأنهم يظنون أن الشهرة تمنحهم هذه المكانة. ويخلطون بين التمثيل والسياسة، ويعتبرون إعجاب الناس بأعمالهم تفويضا سياسيا لهم، ثم يرون أنفسهم كممثلين للشعب.

وفي الحقيقة، ممثل الشعب في الأنظمة الديمقراطية هو الذي يمنحه الشعب ثقته في الانتخابات، ويفوِّضه عبر صناديق الاقتراع. إن كان هؤلاء يريدون تمثيل الشعب التركي في البرلمان فليدخلوا المعترك السياسي وليخوضوا السباق الديمقراطي. وقد يشاهد أفلام أحدهم ملايين من المواطنين المنتمين إلى مختلف التيارات السياسية، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم يؤيدون آراءه السياسية أو سيصوتون له في حال ترشح في الانتخابات، علما أن آكبينار قد أعلن في إحدى تصريحاته السابقة أنه اشتراكي.

آكبينار يدَّعي بأنه "اشتراكي"، ولكن ما قاله رفيقه الممثل الراحل زكي آلاسيا، في حقه يشير إلى أنه رأسمالي أناني. وكان آكبينار وآلاسيا يشكلان ثنائي "زكي-متين" الشهير في السينما التركية. وذكر آلاسيا أنه كان يرفض الأعمال المعروضة عليه إن لم يشارك فيها آكبينار، مهما كان العرض مغريا، إلا أن آكبينار يحب المال حبا جما،  ولعب وحده في فيلم دعائي دون مشاركة آلاسيا.

ما قاله آكبينار في البرنامج التلفزيزني دعوة صريحة إلى الانقلاب على الإرادة الشعبية، وتهديد الرئيس المنتخب بالقتل. والقوانين التركية تعتبر الدعوة إلى الانقلاب العسكري والتهديد بالقتل جريمة. وبالتالي، لا يمكن تصنيف تلك التصريحات ضمن حرية التعبير والانتقاد.

النيابة العامة استدعت آكبينار  للاستجواب على تصريحاته. ولكن لم يتم اعتقاله، بل تم إطلاق سراحه من قبل المحكمة بشرط أن يذهب مرة واحدة كل أسبوع إلى مركز الشرطة، ومنع من مغادرة البلاد. ومما لا شك فيه أن الجميع سواسية أمام القوانين، ولكني أرى أن الأفضل تجاهل تلك التصريحات المستفزة، وعدم الالتفات إليها، حتى لا يخرج أصحابها أمام الرأي العام العالمي وكأنهم ضحايا التضييق على حرية التعبير.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!