الحكومات الائتلافية وضياع سنوات البلاد

جميع المقالات

خاص لـ"أخبار تركيا"

ضاعت سنوات طويلة منذ الانتقال إلى التعددية الحزبية في تركيا بسبب الحكومات الائتلافية التي شكلها حزبان أو أكثر، كان بإمكان البلاد أن تستغلها في إنجاز كثير من المشاريع التنموية، إلا أن صراعات الأحزاب المشاركة في تلك الحكومات حالت دون تحقيق استقرار سياسي، كما أن معظم الحكومات الائتلافية لم يكن عمرها طويلا، الأمر الذي جعلها لا تجد فرصة لأي إنجاز.

الحكومات الائتلافية لا تكون قوية، لأنها تتألف من أحزاب سياسية ذات اتجاهات وأيديلوجيات وبرامج مختلفة. وكل طرف من الأطراف التي تشكل الحكومة الائتلافية يحاول أن يجرها إلى اتجاه يتوافق مع خطابه السياسي ويحقق وعوده للناخبين. ويرفض كل حزب يشارك في الحكومة أن يتحمل مسؤولية الفشل، بل يزعم أنه كان يسعى للنجاح ولكن شريكه في الحكومة هو الذي حال دون تطبيق برنامجه السياسي والاقتصادي.

أول حكومة ائتلافية تم تشكيلها في تركيا في 20 نوفمبر / تشرين الثاني 1961 بعد الانقلاب العسكري الأول الذي قام به الجيش التركي في 27 مايو / أيار 1960 ليسقط حكومة الحزب الديمقراطي برئاسة عدنان مندريس. ولم يتمكن أي من الأحزاب السياسية في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 15 أكتوبر / تشرين الأول 1961 من الحصول على الأغلبية الكافية لتشكيل الحكومة. وشكل حزب الشعب الجمهوري اليساري وحزب العدالة اليميني حكومة ائتلافية تولى رئيس حزب الشعب الجمهوري عصمت إينونو رئاستها. ولم يكن عمر تلك الحكومة سوى سبعة أشهر، وبدأت المفاوضات بين الأحزاب السياسية من جديد لتشكيل حكومة ائتلافية أخرى.

الحكومة الائتلافية الثانية شكلها حزب الشعب الجمهوري وحزب تركيا الجديدة وحزب الأمة القروية الجمهوري ونواب مستقلون. وتفككت هذه الحكومة التي تولى رئاستها إينونو بعد سنة وستة أشهر. وشكل حزب الشعب الجمهوري حكومة ثالثة برئاسة إينونو بدعم نواب مستقلين، إلا أن عمرها انتهى بعد أربعة عشر شهرا.

الشعب التركي الذي جرَّب الحكومات الائتلافية وعانى منها كثيرا، صوَّت بقوة لصالح حزب العدالة في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 10 أكتوبر / تشرين الأول 1965، وحصل الحزب على حوالي 52.9 بالمائة من أصوات الناخبين، وتمكن من تشكيل الحكومة وحده برئاسة سليمان دميرل.

الحكومة التي شكلها حزب العدالة في 27 أكتوبر / تشرين الأول 1965 ظلت في الحكم حتى الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 12 أكتوبر / تشرين الأول 1969. وجاء الحزب في تلك الانتخابات أيضا في المرتبة الأولى، وحصل على حوالي 46.5 بالمائة من الأصوات، وشكل الحكومة وحده. ثم جاء الانقلاب العسكري في 12 مارس / آذار 1971 لينهي الاستقرار السياسي في البلاد.

الانقلابيون لم يحلوا البرلمان ولم يغلقوا الأحزاب السياسية. وشكلوا في 26 مارس / آذار 1971 حكومة وحدة وطنية تولى رئاستها النائب عن حزب الشعب الجمهوري نهاد أريم بعد استقالته من حزبه. وسقطت هذه الحكومة باستقالة 11 وزيرا منها في 3 ديسمبر / كانون الأول 1971. وتشكلت حكومة وحدة وطنية أخرى برئاسة أريم في 11 ديسمبر / كانون الأول 1971 إلا أن عمرهذه الحكومة أيضا لم يكن طويلا حيث انتهى في 22 مايو / أيار 1972. ثم تشكلت حكومة ثالثة بعد الانقلاب برئاسة فريد مَلَنْ في 22 مايو / أيار 1972 لتبقى في الحكم حتى 15 أبريل / نيسان 1973 وأعقبتها حكومة أخرى تشكلت برئاسة نعيم طالو في 15 أبريل / نيسان 1973 وانتهت حقبتها في 26 يناير / كانون الثاني 1974. وبعبارة أخرى حكمت تركيا بعد الانقلاب العسكري أربع حكومات مختلفة خلال أقل من ثلاث سنوات.

لم يتمكن أي من الأحزاب السياسية في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 14 أكتوبر / تشرين الأول 1973 من الحصول على الأغلبية الكافية لتشكيل الحكومة. وشكل حزب الشعب الجمهوري اليساري برئاسة بولنت أجاويد وحزب السلامة الوطني الإسلامي برئاسة نجم الدين أربكان حكومة ائتلافية في 26 يناير / كانون الثاني 1974، إلا أنها سقطت بعد عشرة أشهر فقط. ثم تشكلت حكومة برئاسة سعدي إيرماك في 17 نوفمبر / تشرين الثاني 1974، ولكنها لم تتمكن من الحصول على ثقة البرلمان وانتهى عمرها في 31 مارس / آذار 1975.

الحكومة الائتلافية التي شكلها حزب العدالة برئاسة سليمان دميرل مع حزب السلامة الوطني وحزب الثقة الجمهوري وحزب الحركة القومية استمرت سنتين وثلاثة أشهر. ثم شكل حزب الشعب الجمهوري برئاسة أجاويد حكومة أقلية دفنت في مقبرة الحكومات بعد شهر فقط. وتشكلت بعدها حكومة ائتلافية جديدة برئاسة سليمان دميرل في 21 يوليو / تموز 1977 وشارك فيها حزب العدالة وحزب السلامة الوطني وحزب الحركة القومية. وانتهى عمر هذه الحكومة في 5 يناير / كانون الثاني 1978، أي بعد أقل من ستة أشهر.

تركيا شهدت في تلك السنوات وقائع يمكن وصفها بـــ"وصمة عار في جبين الديمقراطية التركية"، مثل شراء حزب الشعب الجمهوري 11 نائبا من حزب العدالة في ديسمبر / كانون الأول 1977، ليتمكن من تشكيل الحكومة، مقابل تعيينهم وزراء في الحكومة الجديدة. وبعد التوصل إلى الاتفاق، استقال هؤلاء النواب من حزب العدالة، وتم تعيين 10 منهم وزراء في الحكومة الجديدة التي تشكلت برئاسة أجاويد، إلا أن هذه الحكومة التي باتت تعرف بــ"حكومة فندق غونَشْ" في إشارة إلى الفندق الذي جرت فيه المفاوضات مع 11 نائبا من حزب العدالة، سقطت بعد أقل من سنتين، ليشكل حزب العدالة برئاسة دميرل حكومة أقلية انتهى عمرها بعد 10 أشهر.

لا يمكن الحديث عن الاستقرار السياسي ولا عن التنمية والإنجاز في بلد تتغير الحكومة بعد عدة أشهر. ومن أجل طي صفحات الحكومات الائتلافية نهائيا، يستعد الشعب التركي للتصويت بــ"نعم" في الاستفتاء الشعبي.

 

تركيا
تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!