الشيطان في عواصم الثورة المضادة

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

"لا محل لعهدة خامسة، بل إنني لـم أنْو قط الإقدام على طلبها حيـث أن حالتي الصحية و سنّي لا يتيحان لي سوى أن أؤدي الواجب الأخير تجاه الشعب الجزائري، ألا و هو العمل على إرساء أسُس جمهورية جديدة".. بهذه الكلمات أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة تراجعه عن الترشح وتأجيل الانتخابات الرئاسية.

تراجع بوتفليقة عن الترشح مرة أخرى لرئاسة الجمهورية أو بعبارة أدق تراجع النظام الجزائري الذي أعلن ترشح بوتفليقة، انتصار للجماهير الجزائرية التي ملأت الشوارع في مظاهرات سلمية احتجاجا على العهدة الخامسة. ولكن الكثير من المحللين يحذرون من تكرار سيناريو مصر في الجزائر للالتفاف على مطالب الشعب الجزائري.

النصائح التي يقدمها المؤيدون لثورات الربيع العربي إلى الشعب الجزائري عبر مواقع التواصل الاجتماعي تنبع عن قلقهم على الربيع الجزائري، وهم محقون في ذلك، إلا أني أعتقد أن الشعب الجزائري يرى المخاطر التي تحيط بثورته المجيدة كما يراها آخرون، وعلى درجة كبيرة من الوعي الديمقراطي، ويعرف ما حل في دول الربيع العربي الأخرى، لأنه تابع عن كثب مجريات الأحداث في تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن.

ما يريده الشعب الجزائري هو تجلي إرادته عبر انتخابات حرة ونزيهة، وعدم فرض أي وصاية على تلك الإرادة التي سوف يعبر عنها من خلال صناديق الاقتراع. ولكن هذا يخوِّف أطرافا عديدة مستعدة لفعل كل ما بوسعها من أجل عدم تجلي الإرادة الشعبية في أي بلد عربي، كما رأينا بعد اندلاع ثورات الربيع العربي.

المعادلة بسيطة للغاية. هناك دول وقوى ديمقراطية تدعم مطالب الشعوب وأخرى تعادي الإرادة الشعبية وتتآمر على الشعوب لتبقى مقيدة مكبلة مستعبدة تحت وطأة الأنظمة الدكتاتورية القمعية بمختلف ألوانها. وبالتالي، كل من يسعى إلى تعزيز الديمقراطية في بلده ويريد أن يتخلص من الوصاية المفروضة على إرادة شعبه، يجب أن يحذر من مؤامرات تلك الدول والقوى التي تعادي الديمقراطية وتخاف من تجلي إرادة الشعوب الحرة.

وبعد هذه المعادلة البسيطة، يرجع القرار إلى الشعب الجزائري، لأنه أعلم بظروف بلاده وأدرى بشعابها. وهو قادر على رسم خارطة طريقه، وتجاوز العقبات التي تقف أمامه. بل يمكن أن يعطي دروسا للشعوب الأخرى في الإلحاح على المطالبة بالكرامة والحرية.

الجبهة التي تشكلها الدول والقوى المعادية للديمقراطية عريضة. ولديها خبرة واسعة في قمع الحريات والتآمر على الشعوب الثائرة. وإن اختلفت فيما بينها في بعض القضايا والملفات أو تضاربت مصالحها هنا أو هناك، فإنها تتفق على قمع الشعوب، وتتحالف ضد مطالبها وثوراتها. ولذلك، لا بد من الحذر واليقظة والحكمة وعدم إفساح المجال لتلك الدول والقوى المعادية لإرادة الشعوب.

هناك من يحذر من تكرار التجربة المصرية في الجزائر، ويقول إن الشيطان يكمن في الفترة الانتقالية. ولكني لا أتفق مع هذا الرأي. لأن التجربة المصرية فريدة من نوعها، كما أن الفترة الانتقالية ليست سيئة بحد ذاتها. بل المشكلة في الاتجاه الذي تُوَجَّه إليه تلك الفترة. وإن كان ذاك الاتجاه نحو الإصلاح والانتقال السلس وتعزيز الديمقراطية والحريات فهي محمودة بلا أدى شك. بل هي الأفضل بكثير من المواجهة الشاملة التي يخسر فيها الجميع كما تخسر البلاد.

الفترة الانتقالية مذمومة ويجب الحذر منها إن كانت تؤدي إلى الالتفاف على مطالب الشعوب من أجل تعزيز الدكتاتورية واستمرار الوصاية على الإرادة الشعبية وترسيخ الدكتاتورية. ولذلك، يجب أن لا يتصدر المشهد في الفترة الانتقالية ديناصورات النظام الدكتاتوري وفلوله، بل يجب أن يقود تلك الفترة أشخاص يؤمنون بالديمقراطية ويحترمون إرادة الشعوب، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والفكرية، لتكون وجهة الفترة الانتقالية نحو تعزيز الديمقراطية والحريات، وتخرج البلاد إلى بر الأمن والأمان.

الشعب الجزائري الذي خرج يوم الجمعة في مظاهرات حاشدة لرفض تمديد العهدة الرابعة والدعوة إلى تغيير النظام واحترام الدستور سينتصر بإذن الله ما لم يفقد وحدته. وليس لنا إلا أن ندعو الله لينصر إخواننا الجزائريين، ونقول: حفظ الله بلد المليون شهيد وشعبه الأبي الحر من كل سوء ومكروه وخبث وتآمر.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!