انهيار المعايير قبل انهيار الاتحاد

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

 

كشفت التعديلات الدستورية التي ستغير النظام السياسي في تركيا من البرلماني إلى الرئاسي عن الخوف الكبير الذي تشعر به دول أوروبية، مثل ألمانيا وهولندا والنمسا وغيرها. ولم يكن الأتراك يعرفون أن ما حققته بلادهم خلال حوالي ١٥ عاما يقلق تلك الدول لهذه الدرجة، ولذلك يشعرون بالفخر والاعتزاز مع شيء من الحيرة والاندهاش أمام الهلع الذي جعل بعض الدول الأوروبية تتصرف بجنون تجاه تركيا ورئيسها.

الأوروبيون يريدون أن تقف تركيا ضعيفة ومطأطئة الرأس أمام عتبة الاتحاد الأوروبي لمدة لا حد لها، وتتوسل إلى قادة الدول الأوروبية أن يقبلوها إلى هذا النادي. ولكن تركيا حققت خلال حوالي 15 عاما قفزة كبيرة وتنمية قل نظيرها، وخرجت أمام تلك الدول كمنافس قوي في مختلف المجالات.

النظام الرئاسي المقترح في التعديلات الدستورية سيحرر تركيا من القيود التي تعرقل مسيرتها التنموية بين الحين والآخر، كما سيطوي صفحة الحكومات الائتلافية الهشة، وسيعطي الصعود التركي دفعة قوية. وتدرك تلك الدول الخائفة من ازدياد قوة تركيا وتوسع نفوذها أن عرقلة هذا الصعود سيكون أصعب بكثير في حال أقر الشعب التركي حزمة التعديلات في السادس عشر من الشهر القادم، لأنه لن تكون هناك حكومات ائتلافية، ولا أزمات سياسية، ولا خلافات عميقة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء أو بين الأحزاب التي تشكل الحكومات الائتلافية، ما يعني تقلص هامش التدخل من خلال تأجيج الأزمات الداخلية.

وفي مقابل الخطوات التي ستؤدي بإذن الله إلى تعزيز وحدة تركيا وقوتها وصلابتها، تعاني الدول الأوروبية من أمراض مستعصية خطيرة من المحتمل أن تقضي على الاتحاد الأوروبي. ويأتي انتشار العنصرية ومعاداة المهاجرين وصعود اليمين المتطرف على رأس هذه الأمراض التي تهدد التعايش والسلم الأهلي في أوروبا. إلا أن الزعماء السياسيين في أوروبا، بدلا من أن يبحثوا عن حلول لمعالجة هذه الأمراض، يتسابقون في كسب ود الناخبين المنتمين إلى اليمين المتطرف من خلال التصعيد ضد تركيا ورئيسها أو ضد الإسلام والمسلمين والمهاجرين من الدول الإسلامية.

ما رأيناه في هولندا وغيرها من احتجاز وزيرة الأسرة التركية ومنعها من الوصول إلى القنصلية التركية، وإبعادها إلى ألمانيا، وإطلاق الكلاب البوليسية على الصحفيين الذين كانوا يتابعون الأحداث، واستخدام القوة المفرطة في فض اعتصام أبناء الجالية التركية، ونشر تقارير باللغة التركية في وسائل الإعلام الأوروبية لتحريض الناخبين الأتراك ضد التعديلات الدستورية والانحياز السافر للجبهة المعارضة لانتقال تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي وكأن الاستفتاء الشعبي سيجرى في أوروبا، كلها تصرفات تشير إلى تراجع مستوى حرية التعبير وحرية الصحافة والديمقراطية وحقوق الإنسان في تلك الدول. وهذا التراجع اللافت ينذر بانهيار المعايير التي قام عليها الاتحاد الأوروبي إن لم يتم تدارك الأمر.

هناك أمر أخر بحاجة إلى شيء من التوضيح، وهو أن بعض المتابعين لتصعيد الدول الأوروبية ضد تركيا يطرحون هذا السؤال: "لماذا يصر الأتراك على تنظيم فعاليات انتخابية في أوروبا؟"، وكأنهم يعاتبون القيادة التركية بسبب "نقل المعركة الداخلية إلى الدول الأوروبية". هؤلاء لم يفهموا حتى الآن أبعاد المشكلة.

عدد الناخبين الأتراك المقيمين في الدول الأوروبية يصل إلى حوالي 3 ملايين، وسيشارك هؤلاء في التصويت. وهذا العدد الكبير لا يمكن تجاهله. وكانت الأحزاب السياسية التركية تقوم بتنظيم فعاليات قبل الانتخابات بكل حرية، أي أن الأمر كان طبيعيا وليس بجديد ولا يمكن وصفه بنقل المعركة إلى أوروبا. وأما الجديد الآن أن تستنفر الدول الأوروبية لرفض التعديلات الدستورية بشكل جنوني وتنحاز لطرف ضد الأخر، وأن تفتح أبوابها على مصراعيها أمام المعارضين للتعديلات الدستورية في تركيا، بمن فيهم قادة المنظمات الإرهابية كحزب العمال الكردستاني، فيما تغلقها بوجه السياسيين المؤيدين للتعديلات وحتى الوزراء وتمنعهم من لقاء أبناء الجاليات التركية، في ازدواجية كبيرة وانتهاك صارخ للأعراف الدبلوماسية. ولو منعت الدول الأوروبية جميع الفعاليات، سواء المعارضة للتعديلات أو المؤيدة لها، لكان ذلك مفهوما لحد ما، ولكن ما تفعله تلك الدول معاداة لإرادة الشعب التركي وخياره الديمقراطي الحر، ووصمة عار على جبين الديمقراطية الأوروبية.

تركيا اوروبا النمسا النظام الرئاسي هولندا
تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!