حرية الإجرام خلف قناع حرية الإعلام

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

يبدو أن رجال الأعمال الفاسدين اكتشفوا أن أسهل طريق للفت الأنظار عن فسادهم امتلاك وسائل إعلام مختلفة، واستخدام تلك الوسائل كسلاح فتاك ضد الخصوم والحكومات، كما تفعل المنظمات الإرهابية التي تمتلك وسائل إعلام لترويج إيديولوجيتها وأنشطتها، بالإضافة إلى توزيع بطاقات صحفي على عناصرها ليصرخوا في حال اعتقلتهم قوات الأمن أن الحكومة تقوم بالتضييق على حرية التعبير وحرية الصحافة.

امتلاك صحيفة أو قناة تلفزيونية يمنح رجال الأعمال عدة فرص. من تلك الفرص الثمينة الترويج لفعاليات شركاتهم الاقتصادية والإعلان عن منتجاتها. ومنها أيضا تشويه صورة خصومهم ومنافسيهم، والضغط على الحكومات والمسؤولين والبلديات للحصول على امتيازات اقتصادية، كتغيير الخطط الإعمارية لرفع ثمن قطعة أرض يملكها صاحب قناة أو صحيفة، أو فوز شركات ملاك وسائل الإعلام في مناقصات تكسبها ملايين، وما إلى ذلك من الطرق التي يمكن استغلالها للتقدم على الأخرين في التنافس التجاري. وهناك فرصة أخرى لا تقدر بثمن، وهي أن رجل الأعمال الذي يملك صحيفة أو قناة إذا رفعت ضده قضية في المحاكم بتهمة الفساد أو أي جريمة أخرى، يخرج أمام الرأي العام، ويدَّعي بأنه يتعرض للضغوط بسبب موقفه السياسي ومعارضته للحكومة، ويحاول أن يخفي إجرامه خلف قناع حرية التعبير، وينجح في ذلك إلى حد ما.

صحيفة "حرِّيت" التركية التابعة لمجموعة "دوغان" الإعلامية نشرت في عددها الصادر في 25 فبراير / شباط الماضي تقريرا يوحي بأن الجيش التركي مستاء من سياسات الحكومة المنتخبة. وأثار هذا التقرير الذي نشرته الصحيفة تحت عنوان "رئاسة الأركان مستاءة" ضجة كبيرة، وتوالت التصريحات الرسمية المنددة بالتقرير، كما أصدرت رئاسة الأركان بيانا ذكرت فيه أن الصحيفة قامت بالتحريف والتضليل. ولم يقتصر الاستنكار على المستوى الرسمي، بل كان هناك سخط شعبي واسع على الصحيفة وصاحبها "آيدين دوغان" بسبب ذاك التقرير الذي أعاد إلى الأذهان عناوين مشابهة مؤيدة لتدخل العسكر في شؤون الحكومة المنتخبة ضد الإرادة الشعبية. وبناء على شكوى أحد المواطنين، فتح الادعاء العام تحقيقا حول التقرير.

هناك قضية أخرى رفعت منذ زمن بتهمة تهريب الوقود ضد رجل الأعمال "أيدين دوغان"، صاحب مجموعة "دوغان" الإعلامية التي تملك صحيفة "حرِّيت". وكان دوغان استدعي للمثول أمام المحكمة في الجلسة التي عقدت يوم الأربعاء الماضي، أي بعد أربعة أيام فقط من نشر التقرير المثير للجدل، إلا أنه لم يحضر، وبرر غيابه بتواجده خارج البلاد، إلا أن المحكمة لم تقبل هذا التبرير، وقررت جلبه بقوة للمثول أمام المحكمة في الجلسة القادمة التي ستعقد في الثامن من شهر مايو / أيار القادم.  

هل كان هدف "آيدين دوغان" من نشر ذاك التقرير قبيل انعقاد جلسة المحكمة في القضية التي يتهم فيها بتهريب الوقود، أن يبعد الأنظار عن تلك القضية ويلفتها إلى قضية مفتعلة، ليخلط الأوراق ويصوِّر مثوله أمام المحكمة في قضية متعلقة بالفساد كإحدى عواقب نشر صحيفته تقريرا أثار الحكومة؟ كثير من المراقبين لا يستبعدون ذلك، ويرون أن رجل الأعمال التركي يستشعر بأن المحكمة سوف تحكم عليه بالسجن في قضية تهريب الوقود، وبالتالي يحاول أن يجعل نفسه ضحية الضغوط على حرية الصحافة.

"آيدين دوغان"، "إمبراطور وسائل الإعلام التركية" كما تسميه وسائل الإعلام الغربية، كان يسقط حكومات ويشكل أخرى في "تركيا القديمة"، وكانت وسائل الإعلام التي يملكها يمنحها حصانة لا يتمتع بها أحد. ولكن تركيا اليوم تختلف، ولا مفر له من المثول أمام المحكمة، ولن تنفعه محاولات الاختباء وراء قناع حرية الصحافة للهروب من يد العدالة.

تركيا
تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!