خيانة القرن

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

بدأت ملامح ما يسمى "صفقة القرن" تظهر شيئا فشيئا بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مدينة القدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيوني. وهي باختصار شديد تصفية القضية الفلسطينية، وإعادة رسم خريطة المنطقة والتحالفات، وفق الرؤية الإسرائيلية، وبغطاء أمريكي توفره إدارة ترامب-كوشنير.

صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية نشرت السبت الماضي تسريبات تؤكد أن القاهرة وافقت بشكل ضمني على أن تكون القدس عاصمة لإسرائيل، وأن تكون رام الله عاصمة لفلسطين، وإن تظاهرت برفض قرار الرئيس الأمريكي. وتظهر التسريبات التي نشرتها أيضا قناة "مكملين" أن ضابطا في المخابرات المصرية، يدعى أشرف الخولي، يجري مكالمات هاتفية مع إعلاميين ليخبرهم أن موقف مصر الحقيقي من قرار ترامب مؤيد له، ويطلب منهم أن يقنعوا الرأي العام المصري بقبول قرار الرئيس الأمريكي بشأن إعلان القدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيوني ونقل السفارة الأمريكية إليها.

ضابط المخابرات المصري في اتصاله بأحد المذيعين ليلقنه تعليمات النظام يطلب منه إقناع جمهوره بأن رام الله عاصمة فلسطين، وأن القدس ورام الله لا فرق بينهما، وأن قضية القدس باتت قديمة ومملة.

القاهرة نفت صحة التسريبات، إلا أن هناك حملة إعلامية تقوم بها وسائل إعلام الأنظمة المتحالفة مع ثنائية ترامب وكوشنير منذ فترة لإقناع الرأي العام بأن الأولوية هي لمصالح بلادهم لا القضية الفلسطينية ولا القدس ولا المسجد الأقصى.  

القدس ليست كمدينة رام الله، ويعرف الفرق بينهما كل مسلم. وفيها المسجد الأقصى الذي كان المسلمون الأوائل يتجهون إليه في صلواتهم قبل تحويل القبلة منه إلى المسجد الحرام بأمر إلهي. وهو الذي شهد معجزة الإسراء والمعراج وورد اسمه في قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا). وليس في رام الله مسجد أو أي مكان بارك الله حوله.

المسجد الأقصى قلب القدس النابض، ولا يمكن تصورها بدونه. بل الصراع مع الصهاينة الغاصبين هو في لبه صراع على المسجد الأقصى، لأنهم يريدون هدمه لبناء هيكلهم المزعوم. ولو كان تصور القدس بدون المسجد الأقصى ممكنا لأشاروا إلى بعض ضواحي المدينة وبلداتها القريبة منها وقالوا للفلسطينيين: "هذه هي القدس، خذوها لتكون عاصمتكم"، ولكنه أمر غير ممكن، لأن الكل يعرف أن أي مدينة لا تشمل المسجد الأقصى هي ليست القدس.

التصريحات والتسريبات والتطورات السريعة التي حدثت بعد إعلان الرئيس الأمريكي مدينة القدس عاصمة للكيان الصهيوني، تشير إلى أن ترامب وحلفاءه الإقليميين اتفقوا على تنازل الطرف الفلسطيني عن مدينة القدس وتركها للطرف الإسرائيلي ضمن "صفقة القرن"، كما تؤكد أن إسرائيل تسعى من خلال هذه الصفقة القذرة إلى تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين والقضاء على حق العودة، ويتم استهداف وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" وتجميد مخصصاتها في هذا الإطار.

تنظيم "داعش" الإرهابي لعب دورا كبيرا في ضرب فصائل الثورة السورية وإضعافها. ويبدو أن ذات التنظيم الذي أدَّى دوره في سوريا على أكمل وجه وانتهت مهمته هناك، سيتم توظيفه في المرحلة المقبلة لضرب فصائل المقاومة الفلسطينية في القطاع.

المقاومة الفلسطينية في غزة من أهم العوائق التي تقف أمام تمرير "صفقة القرن"، وبالتالي يرى أطراف الصفقة ضرورة الضغط عليها وإبعادها عن الطريق بشكل أو آخر، سواء من خلال "المصالحة" و"تمكين قوى التنسيق الأمني" في القطاع وسحب السلاح من أيدي المقاومين تحت شعار "قانون واحد وسلاح شرعي واحد" أو بأساليب أخرى.

الفلسطينيون اليوم بحاجة ماسة إلى توحيد صفوفهم، وترتيب بيتهم الداخلي، لمواجهة المخاطر التي تحيط بالقدس والمسجد الأقصى والقضية الفلسطينية برمتها، إلا أن المثل يقول: "لا ينفع القفل إن كان اللص أحد أفراد البيت"، كما أن المشكلة أن الذي يرعى عملية "المصالحة" هو ذاته لا يرى الفرق بين القدس ورام الله، ويؤيد قرار ترامب، ويسعى إلى تمرير "صفقة القرن".

كلما يظهر جزء من أجزاء "صفقة القرن" ينكشف جانب جديد، وتتضح الصورة أكثر. والأجزاء التي ظهرت حتى الآن تكفي للقول بأننا أمام حدث جلل يستحق لقب "خيانة القرن" بجدارة.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!