كي لا يعود 28 شباط

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

اجتمع أعضاء مجلس الأمن القومي التركي في 28 فبراير / شباط 1997 بالعاصمة التركية أنقرة في اجتماع طارئ استمر حوالي 9 ساعات. وكان العسكر في تلك السنوات يسيطر على مجلس الأمن القومي، ويستخدمه للضغط على الحكومة المنتخبة. وتعرض رئيس الحكومة الائتلافية آنذاك نجم الدين أربكان رحمه الله في ذاك الاجتماع الطويل لهجمة غير مسبوقة من الجنرالات.

قادة الجيش التركي كثفوا ضغوطهم على الحكومة المنتخبة بعد اجتماع 28 فبراير / شباط، كما انحاز سليمان دميرل الذي كان يتولى في تلك الأيام رئاسة الجمهورية، إلى جانب العسكر، وشارك في اللعبة القذرة التي استهدفت الإرادة الشعبية، وقام بدور محوري في الضغط على الحكومة، وحزب الطريق المستقيم المشارك فيها على وجه الخصوص، لدفع أربكان إلى الاستقالة، وإسقاط الحكومة الائتلافية.

أربكان قدم استقالته إلى دميرل، في 18 يونيو / حزيران 1997،  بناء على تفاهمات توصل إليها شريكا الحكومة الائتلافية حزب الرفاه وحزب الطريق المستقيم، وكان المفترض أن يكلف رئيس الجمهورية رئيسة حزب الطريق المستقيم، تانسو تشيللر، بتشكيل الحكومة، إلا أن دميرل تجاهل تفاهمات الحزبين والأعراف الديمقراطية، وكلف رئيس حزب الوطن الأم مسعود يلماز بتشكيل الحكومة.

الحكومة الائتلافية لم تسقط في 28 فبراير / شباط 1997، بل استمرت بعد اجتماع مجلس الأمن القومي الشهير لأكثر من ثلاثة أشهر، إلا أن إسقاط حكومة أربكان من خلال ضغوط العسكر والقوى العلمانية المتطرفة المؤيدة للانقلابيين وكل ما جرى في تلك الحقبة السوداء سمي "انقلاب 28 فبراير / شباط ما بعد الحداثة"، وأصبحت كافة ممارسات الانقلابيين غير الحقوقية وغير الديمقراطية وانتهاكاتهم لحقوق الإنسان والحريات يشار إليها بتاريخ ذاك اليوم.

جماعة كولن كانت آنذاك تقف إلى جانب الانقلابيين والقوى العلمانية المتطرفة المؤيدة لموقف العسكر ضد الإرادة الشعبية. وكانت الصحف التركية الموالية للقوى الانقلابية تنشر تصريحات زعيم الجماعة، فتح الله كولن، في صفحاتها الأولى بعناوين عريضة، لأن الرجل كان يزعم أن الحكومة الائتلافية فشلت في القيام بمهامها، ويدعوها إلى الاستقالة.

ومما لا شك فيه أن الكيان الموازي، التنظيم السري لجماعة كولن، استغل انقلاب 28 فبراير / شباط لصالحه، وفتحت الأبواب على مصراعيها أمامه لتتغلغل خلاياه في أجهزة الدولة. لأن الانقلابيين استهدفوا كافة الجماعات الإسلامية باستثناء جماعة كولن التي كانت تنأى بنفسها عن بقية الجماعات ويمارس رجالها مبدأ التقية لإخفاء هوياتهم وأهدافهم.

مرت قبل أيام ذكرى وفاة رئيس الوزراء التركي الأسبق نجم الدين أربكان وبعدها ذكرى انقلاب 28 فبراير / شباط، ونشرت الصحف والقنوات التلفزيونية والمواقع الإخبارية تقارير عديدة عما جرى في تلك الأيام، وعادت إلى الأذهان ذكريات مؤلمة. لأن الكثير من المواطنين من مختلف شرائح المجتمع التركي تعرضوا للظلم والإهانة والأذى خلال حقبة 28 فبراير / شباط. وفي غضون ذلك طرح بعض الكتاب والمثقفين هذا السؤال: "هل يمكن أن تعود أجواء 28 فبراير / شباط؟"

هذا السؤال يقلق كل من عاش تلك الحقبة، وتعرض لضغوط الانقلابيين وانتهاكاتهم. لأن الانقلابيين لو عادوا - لا سمح الله - سينتقمون من الشعب، ويفعلون هذه المرة من الظلم والقمع والانتهاكات أكثر مما فعلوا في نهاية تسعينات القرن الماضي. كما أن عودة 28 فبراير / شباط تعني استعادة تنظيم الكيان الموازي الإرهابي نفوذه في أجهزة الدولة.

قادة الجيش التركي الذين قاموا بانقلاب 28 فبراير / شباط قالوا إن حكمهم سيستمر ألف سنة. إلا أن الشعب التركي قضى على حلمهم عبر صناديق الاقتراع. وهذه الثورة الشعبية السلمية يجب الحفاظ عليها كي لا يفسح المجال لعودة الانقلابيين. وهذا يتطلب من أنصار الديمقراطية والإرادة الشعبية البقاء على قدر كبير من اليقظة، وعدم التساهل والاستهانة.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!