لأي مدى كان الشعب التركي جادا في مقاومة الانقلابيين؟

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

نشرت صحيفة ديلي صباح التركية الصادرة باللغة الإنجليزية، يوم السبت الماضي، عددا خاصا بالذكرى السنوية الأولى لمحاولة الانقلاب الفاشلة. وكانت الصفحة الأولى لذاك العدد مقسمة إلى قسمين: في أعلى الصفحة وضعت صورة احتشاد الشعب التركي إلى الساحات وكتبت عليها كلمة "الانتصار". وأما في أسفل الصفحة وضعت صورة زعيم تنظيم الكيان الموازي الإرهابي المدعو فتح الله كولن وكتبت عليها كلمة "الخيانة".

نعم؛ ١٥ يوليو / تموز ٢٠١٦ له وجهان: أحدهما مشرق، والآخر مظلم. رأينا في ذات اليوم مدى شجاعة الشعب التركي وحبه لوطنه ودفاعه عن إرادته الحرة، كما رأينا مدى خيانة الكيان الموازي، التنظيم السري لجماعة كولن، وحقارته، وعمالته للخارج، وعداوته لحكومة تركيا وشعبها.

وفي تلك الليلة، خرج مئات الآلاف من المواطنين من شرائح المجتمع المخالفة إلى الشوارع والساحات، ولم يكن كلهم من الإسلاميين. لأن الذين خرجوا في اللحظات الحاسمة شعروا بأن الوطن في خطر، وأن هناك محاولة احتلال للبلاد تحت قناع "الانقلاب العسكري". ويقول شاب ممن خرجوا في ليلة محاولة الانقلاب لمواجهة الانقلابيين، في مقابلة مع إحدى القنوات التركية، إنه كان في الخمارة مع أصدقائه يشربون الخمر، ولما سمعوا أن هناك محاولة للانقلاب رجعوا إلى بيوتهم، وأخذوا أسلحتهم، وخرجوا مرة أخرى إلى الشوارع لمواجهة الانقلابيين.

هنا يجب أن ألفت النظر إلى نقطة هامة، وهي أن المواطنين الأتراك أفشلوا محاولة الانقلاب بصدورهم العارية وبطرق سلمية، إلا أنهم كانوا مستعدون للذهاب إلى أبعد من ذلك، والقتال حتى الموت لإفشال المؤامرة ومنع احتلال البلاد من قبل مرتزقة يعملون لتحقيق أجندة الأعداء. ولعل هذا مما يفسر لماذا فشلت محاولة الانقلاب في تركيا ونجحت في مصر.

قد يسأل سائل: لماذا لم يقاوم الشعب التركي الانقلابيين في ١٩٨٠؟ الجواب أن الوضع كان يختلف تماما، وكانت البلاد تعاني من الاقتتال الداخلي بين التيارات اليمينية واليسارية، كما أن وسائل الإعلام والاتصال لم تكن متطورة، الأمر الذي مكَّن الانقلابيين من بسط سيطرتهم في ظلمات الليل قبل أن يعرف المواطنون حقيقة ما يجري، بالإضافة إلى غياب القيادة التي يمكن أن تقود المقاومة الشعبية ضد الانقلاب العسكري.

أما اليوم، فيتمتع الشعب التركي بقدر كبير من الوعي الديمقراطي واليقظة، ويدرك جيدا ما يدور في البلاد والمنطقة، ومن الصعب للغاية أن يفاجئه الانقلابيون ليضحكوا عليه. 

الشعب التركي يفرق بين الضباط والجنود الذين يدافعون عن الوطن وبين الانقلابيين الخونة الذين يريدون تدمير البلاد من أجل مصالح دول أخرى، ولا يعتبر من يرفع السلاح ضد الشعب ضمن عناصر الجيش التركي الذي يفتخر به، بل يراه خائنا تسلل إلى صفوف الجيش. ولذلك مستعد لمقاومته مهما كان الثمن.

الشعب التركي لن يستسلم بإذن الله للانقلابيين. ومن يظن أن محاولة الانقلاب فشلت في ١٥ يوليو / تموز ٢٠١٦ بسبب عدم لجوء الانقلابيين إلى استخدام القوة المفرطة يخطئ. لأن الشعب التركي يقول: "إما الحرية وإما الموت"، ويختار أن يقتل ويقتل في سبيل الدفاع عن الوطن، بدلا من الاستسلام للانقلابيين. وهو ما عبر عنه رئيس حزب الحركة القومية دولت باهتشلي حين قال: "وإن كان لا بدّ من الموت فليكن موتا يليق بالرجال، المهم ألا نمكّن الذين يريدون النيل من الدولة والشعب من الوصول إلى مبتغاهم."

ولذلك، يحتفل الأتراك اليوم بانتصارهم العظيم على الانقلابيين الخونة، فيما يئن الشعب المصري الشقيق -فك الله أسره- تحت وطأة الاحتلال، لأنه لم يفرق بين الضباط والجنود المخلصين لوطنهم وبين المرتزقة الذين نفذوا الانقلاب العسكري لصالح الدول الأجنبية التي دعمت الانقلاب ومولته.

مواطن مصري من أهالي جزيرة الوراق يقول غاضبا: "ده مش رئيس دولة ده رئيس عصابة". نعم، هو رئيس عصابة تعمل لصالح دول أخرى ومستعدة لبيع مصر شبرا شبرا. وبالتالي، لا بد من معاملته كرئيس عصابة وأن يدعو المصريون أبناءهم إلى عدم خدمة هذه العصابة.

إنقاذ مصر بيد الشعب المصري وحده، وإن لم يدافع الشعب المصري عن أرضه وكرامته وحريته، ولم يقاتل من أجل تحرير وطنه من هذه العصابة، فلا أحد يمكن أن ينقذه من الانحدار من السيء إلى الأسوأ.

مصر بحاجة إلى ثورة حقيقية وتضحيات وعزم في التصدي للانقلابيين بشتى الطرق ومهما كان الثمن. لأن الوطن غالٍ تستحق حريته لقتال وتضحيات كبيرة.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!