ما الهدف وما المستهدف؟

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

"هل هي أخطاء بسيطة كما وقعت في الانتخابات السابقة أم خروقات ممنهجة تهدف إلى تزوير النتائج؟" هذا السؤال يشغل بال كثير من المراقبين منذ إعلان النتائج الأولية مساء الأحد الذي جرت فيه الانتخابات المحلية في تركيا. ويعود سبب هذا السؤال إلى ظهور تلاعب واسع في تسجيل نتائج الانتخابات في محافظة إسطنبول لصالح مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض، أكرم إمام أوغلو.

أمثلة الخروقات التي نشرت في وسائل الإعلام التركية توحي بأنها ليست كلها أخطاء عفوية غير مقصودة. بل هناك خروقات مقصودة وتجاوزات ممنهجة. ومن المتوقع أن يفتح تحقيق شامل لكشف ملابسات هذه الخروقات المقصودة والمسؤولين عنها لتتضح الصورة بكل أبعادها. وقد يكشف التحقيق عن فضيحة مدوية.

الممثلون من الأحزاب المشاركة في الانتخابات يتابعون في كل مركز اقتراع عملية التصويت وفرز الأصوات لعدم وقوع تزوير أو تلاعب. ويبلِّغ كل واحد منهم مسؤولي حزبه نتائج الفرز. وبناء على الأرقام التي تأتي منهم، يمكن أن يعرف كل حزب كم صوتا حصل عليه في هذا الصندوق وذاك. ثم يقوم موظفو اللجنة العليا للانتخابات بتسجيل تلك الأرقام لجمعها مع نتائج الصناديق الأخرى. وهنا وقعت الكارثة.

هناك أمثلة عديدة في إسطنبول أن مرشح حزب العدالة والتنمية بن علي يلدريم حصل على 210 صوتا، على سبيل المثال، في صندوق، بعد عملية الفرز التي جرت أمام ممثلي الأحزاب. وسجلت النتائج، ووقَّع الممثلون والموظفون على المحضر. ثم تم إدخال نتائج ذاك الصندوق في نظام اللجنة العليا للانتخابات، وكتب أمام خانة بن علي يلدريم "0" أو "1"، وكأنه لم يحصل في ذاك الصندوق على أي صوت أو حصل فقط على صوت واحد.

ومن أمثلة الخروقات، أن بن علي يلدريم حصل مثلا على 130 صوتا في صندوق، ولكن هذا الرقم سجل في السطر الذي قبل السطر المخصص ليلدريم أو بعده. وبعبارة أخرى، سجل في خانة مرشح آخر بدلا من تسجيله في خانة يلدريم. وهذا قد يحصل دون قصد، ولكن يمكن أن يقوم به الموظف متعمدا ليدعي بعد ذلك أنه أخطأ.

الناخبون في الانتخابات المحلية أدلوا بأربعة أصوات وضعت كلها في ظرف واحد. صوت لرئاسة بلدية المحافظة، وآخر لرئاسة بلدية القضاء، وثالث للمجلس البلدي. أوراق هذه الأصوات تقدمها اللجنة العليا للانتخابات. والصوت الرابع لمختار الحي أو القرية، حيث يأخذ الناخب ورقة مكتوب عليها اسم المرشح لمنصب المختار ويضعها في الظرف مع أوراق الأصوات الثلاثة الأخرى. ثم يضع الظرف في صندوق الاقتراع.

هناك خروقات وقعت خلال إلغاء الأصوات. وعلى سبيل المثال، قام أحد الناخبين بوضع اسم مرشحين لمنصب المختار في الظرف، وألغيت كافة الأصوات، على الرغم من أن الأصوات الثلاثة الأخرى صحيحة. وكان المفترض أن يلغى الصوت الذي أدلى به للمختار، لتحسب الأصوات التي أدلى بها لرئاسة بلدية المحافظة ورئاسة بلدية القضاء والمجلس البلدي أصوات صحيحة. وبعض الناخبين ألغيت أصواتهم الصحيحة، لأن ورقة واحدة، ورقة المجلس البلدي مثلا، لم تكن موجودة في الظرف. قد يكون الناخب لم يرد أن يصوت لانتخاب أعضاء المجلس البلدي أو أنه لم يستلم أصلا تلك الورقة من موظفي اللجنة العليا للانتخابات. وفي هذه الحالة، كان المفترض أن تسجل الأوراق الأخرى كأصوات صحيحة.

أمثلة كثيرة للخروقات والتجاوزات وقعت في إسطنبول. إلا أن نظام الانتخابات في تركيا يسمح للأحزاب بكشف تلك الأخطاء والخروقات وتصحيحها، من خلال الطعون وإعادة الفرز. وهذا من محاسن النظام الانتخابي التركي المعمول به منذ سنين في البلاد. ولذلك يطرح هذا السؤال نفسه بإلحاح: إن كان هناك تلاعب ممنهج في الانتخابات لصالح مرشح حزب الشعب الجمهوري، ما الهدف منه بالضبط؟" وبعبارة أخرى، هل الهدف حصول مرشح حزب الشعب الجمهوري على رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى أم أبعد من ذلك، وهو هز ثقة الشعب التركي بالصناديق والانتخابات؟

إمام أوغلو أعلن أنه الفائز، وبدأ يتحرك وكأنه استلم مهامه بشكل رسمي. وخُيِّل إليَّ لوهلة أنه يقوم بدور "خوان غوايدو"، وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيغرد في تويتر ليعلن أنه رئيس بلدية إسطنبول الكبرى. ولكن سرعان ما تذكرت أننا في تركيا ولسنا في فنزويلا.

الاحتكام إلى إرادة الشعب التركي عبر صناديق الاقتراع حل كثيرا من مشاكل تركيا. وهو الحكم الذي يحسم النزاع السياسي في البلاد. وإن اهتزت ثقة الشعب التركي بالانتخابات فستكون هناك خيارات أخرى كلها كارثية، كالاحتكام إلى الشارع والاستقواء بالمال والسلاح والتدخلات الخارجية.

يبدو أن قادة حزب العدالة والتنمية تنبهوا لهذا الخطر، ولذلك يشددون في تصريحاتهم على أن اللجنة العليا للانتخابات هي صاحبة القرار النهائي في الأمر، وأن الجميع يجب أن يحترم النتائج الرسمية التي ستعلنها. وهذا الموقف النابع عن وعي ديمقراطي وثقة بالنفس يحسب للحزب .

ما حدث في إسطنبول كشف أن هناك إجراءات لا بد منها لتعزيز النزاهة والشفافية. وقد يتم فرز الأصوات وتسجيل النتائج أمام الكاميرات، بالإضافة إلى مراقبة ممثلي الأحزاب. كما أن اللجنة العليا للانتخابات يجب أن تحاسب الموظفين الذين قاموا بخروقات وتجاوزات متعمدة. ومن المؤكد أن مثل هذه الخطوات تحمي الإرادة الشعبية، وتعزز ثقة الشعب التركي بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!