ما رأيته في مؤتمر فلسطينيي الخارج

جميع المقالات

خاص لـ"أخبار تركيا"

كنت في إسطنبول نهاية الأسبوع الماضي لمتابعة أعمال المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج، وتنفست خلال يومين أجواء عربية بامتياز كنت مشتاقا إليها منذ عودتي إلى أرض الوطن، كما أني وجدت في المؤتمر فرصة للقاء أصدقاء لم أقابلهم منذ فترة، بالإضافة إلى التعرف على أصدقاء جدد من الكتاب والباحثين والنشطاء.

مما لا شك فيه أن العديد من الزملاء الفلسطينيين والعرب سيتناولون المؤتمر وما تمخض منه من جوانب مختلفة، ولكني أحب أن أعلق عليه، كابن البلد الذي استضاف هذا الحراك الشعبي التاريخي وأحد المتابعين غير الفلسطينيين للشأن الفلسطيني وتفاصيله وتعقيداته.

لاحظت أن جميع المشاركين يرفضون اتفاقية أوسلو، وغاضبون عليها وما جلبت إلى الشعب الفلسطيني من مشاكل وكوارث وويلات. وكذلك مستاؤون من تهميش منظمة التحرير الفلسطينية، وتجاهل اللاجئين ومعاناتهم. الكل يريد الإصلاح وتفعيل المنظمة ومشاركة فلسطينيي الخارج في صنع القرار الوطني الفلسطيني. 

منظمة التحرير الفلسطينية مهمشة، والبرلمان الفلسطيني معطل. هناك حكومة في رام الله يستحيل وصفها بـــ"حكومة فلسطينية"، لأنها تتصرف كحكومة فئة معينة فقط. وتدير المشهد السلطة الفلسطينية أو بعبارة أدق يديره رئيس السلطة الذي انتهت ولايته منذ زمن طويل. لا انتخابات حرة ونزيهة لتتجلى إرادة الشعب الفلسطيني، ولا مصالحة تنهي الانقسام البغيض.

قضية الشعب الفلسطيني وثوابته وحقوقه تواجه تحديات كبيرة. ولا يمكن بأي حال ترك القرار الوطني الفلسطيني في هذه المرحلة الحساسة لما يخرج من بين شفتي أبي مازن. أي أن هذا الحراك الشعبي جاء في وقته إن لم يكن متأخرا.

انعقاد المؤتمر بهذا الزخم نجاح كبير بحد ذاته. انتهى المؤتمر وبقيت التصريحات التي أطلقت ضده كوصمة عار لا تزول في جبين أصحابها. ولن ينسى التاريخ أن رجلا تولى يوما منصب وزير الأوقاف والشؤون الدينية في فلسطين ويعمل مستشارا لرئيس السلطة وصف الآلاف من أبناء شعبه بـــ"الشياطين". 

تابعت معظم أعمال المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج بإسطنبول. وما رأيته فيه خلال يومين أشخاص طيبون من خلفيات سياسية وفكرية مختلفة، يجمعهم حب الوطن، والشوق إلى فلسطين، وحلم العودة إليها بعد تحريرها. هؤلاء الغيورون على قضيتهم العادلة الحاملون هموم شعبهم لا يستحقون إلا الشكر والتقدير والثناء على مشاعرهم الوطنية.

ما شهدته إسطنبول يومي السبت والأحد يمكن اعتباره ولادة جديدة تبعث الأمل في إنقاذ القرار الفلسطيني من براثن العصابة التي تختطفه منذ سنين. ولكن هذه الانطلاقة الناجحة غير كافية للتغيير المنشود، والإصلاح الذي يتطلع إليه المشاركون في المؤتمر. ولا بد من العمل الدؤوب والبرنامج السياسي المبني على هذا الإنجاز لتحقيق الأهداف. وإلا يتحول المؤتمر إلى مجرد فعاليات شعبية فلكلورية تخللت خطابات حماسية، ثم انتهت مع عودة الجميع إلى بيوتهم وانشغالاتهم اليومية.

كانت هناك محاولات لمنع انعقاد المؤتمر ولكنها فشلت. ولا يعني ذلك أن المحاولات انتهت مع انتهاء أعمال المؤتمر، بل المؤكد أنها ستستمر لتشويه المؤتمر ومنعه من تحقيق أهدافه بشتى الطرق والوسائل. وإن ظن المنظمون للمؤتمر والمشاركون فيه والعالقون عليه آمالا كبيرة أن المنزعجين منه هم فقط رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ومن يدور في فلكه فإنهم واهمون ويقعون في خطأ لا يغتفر.

نجاح الانقلاب العسكري في مصر يعود إلى عوامل عديدة. ومن أهمها، في رأيي، عدم استوعاب القوى الثورية لحجم التآمر على الثورة، وفشلها في تقدير أبعاد الثورة المضادة التي كانت لها بالمرصاد. وأرجو أن لا يقع الإخوة الفلسطينيون في ذات الخطأ، ولا يظنوا أن المؤتمر أقض فقط مضاجع عدد من الفاسدين في رام الله.

التحديات كبيرة، والمتربصون بفشل محاولة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية لتمثل بالفعل إرادة الشعب الفلسطيني كثر. ولكن ذلك لا يعني أن المهمة مستحيلة. بل الواجب عدم الاستسلام لليأس، والعمل بإخلاص، دون ملل أو كلل، مع مراعاة الظروف وكثرة المتآمرين، ووضع أكثر من خطة للانتقال إلى الخطة البديلة في حال فشلت الخطة الأولى، كي لا تتعثر المسيرة ولا تضيع الجهود إن تعذر إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية. 

تركيا اسطنبول فلسطين
تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!