محكمة أم مسرحية؟

جميع المقالات

ألقى الشعب التركي في الخامس عشر من يوليو الماضي القبض على خلايا تنظيم الكيان الموازي الإرهابي متلبسة بجريمة محاولة الانقلاب على الإرادة الشعبية، وتصدى المواطنون لدبابات الانقلابيين بصدورهم العارية، وقتل وجرح في تلك الليلة مئات من رجال الأمن والمدنيين، وبعد أن فشلت المحاولة، بدأ الانقلابيون ومن يقفون وراءهم يدعون بأن محاولة الانقلاب كانت مجرد مسرحية.
ما شهدته اسطنبول وأنقرة ومدن تركية أخرى من أحداث دامية في تلك الليلة لم تكن مسرحية، إلا أن ما تشهده المحاكم في جلسات القضايا المرفوعة ضد الانقلابيين المعتقلين بدأ يتحول يوماً بعد يوم إلى مسرحية يكتبها العقل المدبر الذي يحرك خلايا الكيان الموازي، ويلعب أدوارها الانقلابيون المعتقلون. 
هناك استياء عارم في صفوف أسر ضحايا محاولة الانقلاب، ويرى كثير منهم أن المحاكمات لا تسير كما ينبغي، بل يحول الانقلابيون المعتقلون الجلسات إلى مسرحية، ويزعمون أنهم لم يكونوا يعرفون بمحاولة الانقلاب، في محاولة للتنصل من المسؤولية والهروب من قبضة العدالة. بل عبر أحد أبناء الشهداء عن مشاعر الغضب التي تحرق قلبه قائلا: «أخشى أنهم -أي الانقلابيين- سيطلبون من أسر الضحايا دفع التعويضات إليهم!».
المتابعون لسير المحاكمات في القضايا المتعلقة بتنظيم الكيان الموازي الإرهابي ومحاولة الانقلاب، يلفتون إلى وجود جهود حثيثة لتحريف بوصلة القضايا وإفلات الانقلابيين المعتقلين من العقاب. ويتحدث بعض الصحافيين عن صناديق تم تأسيسها من قبل رجال الكيان الموازي، لجمع التبرعات ودفع الرشاوى وشراء الذمم؛ لعرقلة سير المحاكمات. 
وزيرة الأسرة والسياسات الاجتماعية التركية، فاطمة بتول صايان كايا، تابعت الأربعاء إحدى جلسات القضية الرئيسية لمحاولة الانقلاب في محكمة سيليفري باسطنبول. وبعد خروجها من قاعة المحكمة قالت للصحافيين إن هناك مسرحية يتم عرضها في الداخل، مشيرة إلى أن الجلسة كانت كفصل من فصول تلك المسرحية، وأن الانقلابيين المعتقلين يتصرفون وكأنهم ليسوا من قصفوا مبنى البرلمان ومقر القوات الخاصة التابعة للشرطة. 
هذه التطورات تؤكد أن الكيان الموازي، التنظيم السري لجماعة غولن، ما زال ينشط في البلاد، ويمتلك شبكة سرية للتواصل بين أعضائه، لتوجيه عناصره كي يرفع معنوياتهم ويمنعهم من الاعتراف بالجرائم التي ارتكبوها تلبية لأوامر قادة التنظيم، كما يشير التطابق في مرافعات الانقلابيين المعتقلين إلى تلقي الانقلابيين المعتقلين توجيهات حول ما سيقولون في قاعات المحاكم. 
ومن الواضح أن الكيان الموازي الذي تغلغلت خلاياه في أجهزة الأمن والقضاء لسنين يسعى إلى استغلال الثغرات القانونية من خلال تجربته الطويلة في شؤون القضاء، لتمييع القضايا وعرقلة سير المحاكمات، ويلعب على عامل الوقت، ظناً منه أن اهتمام الرأي العام التركي بالقضايا سيتراجع، وأن المواطنين سينسون ما ارتكبه الانقلابيون من جرائم بشعة في حق شعبهم وبلادهم، على غرار ما ظنه اليهود الغاصبون لأرض فلسطين حين قالوا: «الكبار يموتون والصغار ينسون».
القضايا المتعلقة بتنظيم الكيان الموازي الإرهابي ومحاولة الانقلاب الفاشلة ليست بين الانقلابيين وأسر ضحايا محاولة الانقلاب، بل هي بين الانقلابيين الخونة والشعب التركي البطل الذي حاول الانقلابيون في تلك الليلة القضاء على إرادته. ومن الواجب على الجميع أن يتابع القضايا عن كثب حتى لا يجد الانقلابيون الفرصة للتلاعب والإفلات عن العقاب بشتى الحيل.

المصدر: عربي21

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!