مسؤول ولكنه غير مسؤول!؟.

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

 

ذكر ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، لمارتن سميث من شبكة التلفزيون العامة الأمريكية، أن اغتيال الكاتب السعودي الشهير جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول التركية حدث وهو في موقع السلطة، وقال: "أنا أتحمل المسؤولية كلها لأن ذلك حدث وأنا في موقع السلطة".

تصريحات الأمير محمد بن سلمان هذه جاءت في الفيلم الوثائقي الذي يحمل عنوان "ولي عهد السعودية". ومن المتوقع أن يعرض الفيلم قبل الذكرى السنوية الأولى لجريمة اغتيال خاشقجي. وحين سأل سميث ولي العهد السعودي كيف حدثت جريمة القتل دون أن يعلم بها، مشيرا إلى أن القتلة قد استقلوا طائرات حكومية خاصة، وفقا لما نقل عن الفيلم الوثائقي، رد الأمير محمد بن سلمان قائلا: "عندنا 20 مليون نسمة، وعندنا ثلاثة ملايين موظف حكومي"، وأضاف: "عندي موظفون ووزراء لمتابعة الأمور وهم مسؤولون، ولديهم السلطة للتصرف".

حوالي ٢٠ من كبار المسؤولين السعوديين المقربين من ولي العهد السعودي يتفقون على اغتيال خاشقجي في قنصلية بلادهم بإسطنبول ولا أحد منهم يخبر ذلك الأمير محمد بن سلمان. بل يخفون منه خطة الاغتيال، وكافة الاستعدادات لتنفيذها. وهل يصدق ذلك أي عاقل؟

أعضاء فريق الاغتيال يأتون إلى إسطنبول بطائرات تابعة للحكومة السعودية، ويستخدمون مبنى القنصلية، وبيت القنصل السعودي، وسيارات تابعة للقنصلية، لارتكاب الجريمة البشعة، وإزالة آثارها، والتخلص من الجثة، إلا أن القنصل السعودي محمد العتيبي لا يطلع وزارة خارجية بلاده فورا على ما يجري في القنصلية، بل يتواطؤ مع فريق الاغتيال على ارتكاب الجريمة، ويطلق تصريحات كاذبة لتضليل الرأي العام، ويدعي بأن المغدور خرج من مبنى القنصلية، ثم يعود إلى بلاده. وهل هذا أمر عادي يمكن أن يحدث في أي بلد دون علم حكومته؟

وفقا للتصريحات التي اعترف فيها ولي العهد السعودي مسؤوليته، المسؤولون السعوديون الكبار المقربون منه، كلهم أشخاص يمكن أن يرتكبوا جرائم بشعة بدم بارد، وكأنها من أعمالهم الروتينية وضمن الصلاحيات الممنوحة لهم، ولا يوجد بينهم عاقل يدرك مدى خطورة جريمة كاغتيال كاتب شهير في مقر دبلوماسي بدولة أخرى، وما يمكن أن يترتب عليها من مشاكل كبيرة لبلادهم وقادتهم.

ولي العهد السعودي يقول إن عنده موظفين ووزراء لمتابعة الأمور، وهم مسؤولون، ولديهم السلطة للتصرف. ويا ترى، هل سلطة هؤلاء تشمل القتل خارج القضاء، والتخطيط لتصفية كل من لا يعجبهم، والسفر إلى بلاد أخرى لارتكاب جرائم الاغتيال؟

الأمير محمد بن سلمان يدعي بأن جريمة اغتيال خاشقجي تمت دون علمه، وهذا أمر لا يمكن أن يصدقه العقل البشري بأي حال. ولكن حتى لو افترضنا جدلا أنه صادق فيما يقوله، هناك سؤال آخر يطرح نفسه، وهو: "لماذا حاول لمدة أيام بعد ارتكاب الجريمة أن يضلل الرأي العام من خلال إطلاق تصريحات كاذبة ومتناقضة بدلا من الاعتراف بالحقائق؟"

ولي العهد السعودي في تصريحاته يحاول أن يتهرب من الاعتراف بدوره ومسؤوليته في الجريمة، حتى وإن تظاهر بأنه يعترف بتحمل مسؤوليته. وإن كان يعترف بمسؤوليته بصدق لقام بما يوجب هذا الاعتراف، كالاستقالة من منصبه، وقبول التحقيق معه، ومحاكمة بقية المتهمين بالتورط في الجريمة في محاكم حقيقية لا صورية. ولكنه يحاول أن يقول إنه غير مسؤول عن الجريمة لعدم علمه بخطة الاغتيال.

كافة الأدلة المتوفرة تشير إلى أن الحكومة السعودية ما زالت تسعى لعرقلة تحقيق العدالة في جريمة اغتيال خاشقجي، والتظاهر بمحاكمة القتلة لذر الرماد في العيون، وتحمي أعضاء فريق الاغتيال من خلال إبعادهم عن وسائل الإعلام والكاميرات، وتوفير جميع الخدمات المطلوبة ليعيشوا مع أسرهم بكل رفاهية.

العدالة في جريمة اغتيال خاشقجي لا يمكن أن تتحقق دون إجراء تحقيق دولي محايد مع ولي العهد السعودي وجميع أعضاء فريق الاغتيال. وهذا الاعتراف الأخير الذي جاء في الفيلم الوثائقي، يدين ولي العهد السعودي ولا يبرِّئه. ولا يمكن الحكم على براءته في قضية اغتيال خاشقجي لمجرد تصريحاته دون التحقيق معه ومحاكمته.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!