من فوائد النظام الرئاسي

جميع المقالات

خاص "أخبار تركيا"

قام رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كيليشدار أوغلو، الأربعاء الماضي، بزيارة قصيرة إلى بيت الفتاة المحجبة "فاطمة ديلارا أصليهان يغيت" التي تعرضت قبل أيام داخل حافلة ركاب صغيرة في إسطنبول لهجوم امرأة علمانية متطرفة. ورافقه في هذه الزيارة التي استغرقت حوالي 20 دقيقة بعض قادة حزبه وعدد من الإعلاميين.

كانت الفتاة التي تدرس في مدرسة ثانوية وتبلغ من العمر ١٦ عاما فقط، تعرضت لاعتداء امرأة نزعت حجابها من رأسها بقوة، وركلتها، وصاحت في وجهها: "أنتم إرهابيون، ويموت الناس بسببكم. لا يمكن أن تعيشوا في هذا البلد الذي أسسه أتاتورك. أنت لا يمكن أن تدرسي محجبة. يجب أن تموتي."

وبعد زيارة بيت عائلة الفتاة، قال كيليتشدار أوغلو للصحفيين المرافقين له، إنه يرفض الإساءة لأي مواطن بسبب مظاهره وملابسه وأسلوب حياته ومعتقداته، مشددا على أن الجميع يجب أن يعيش في تركيا بحرية وأمان، كما جدد تنديده بالاعتداء الذي تعرضت له الفتاة، متمنيا عدم تكرار مثل هذه الحوادث في المستقبل.

زيارة رئيس حزب الشعب الجمهوري لبيت الفتاة التي تعرضت للاعتداء والإساءة بسبب حجابها، وما قاله حول حرية المعتقدات وارتداء الحجاب موقف يحسب له ولحزبه، ولكن المجتمع التركي المسلم المتدين انتظر طويلا حتى يرى هذا الموقف من حزب الشعب الجمهوري ويسمع هذه الكلمات من رئيسه.

الطالبات المحجبات لم يجدن فرصة الدراسة في الجامعات التركية لسنين طويلة بسبب حظر ارتداء الحجاب فيها. وكانت القوى العلمانية المتطرفة، بما فيها حزب الشعب الجمهوري، ترى الحجاب رمزا سياسيا لا مكان له في الجامعات والمدارس ولا في الدوائر الحكومية ولا حتى في البرلمان. مشاهد طرد الطالبات المحجبات من الفصول وبوابات الجامعات، وإجبارهن على خلع الحجاب أو لبس الشعر المستعار عليه، وطرد النائبة المحجبة مروة قواقجي من قاعة البرلمان التركي وعدم السماح لها بأداء اليمين الدستورية، لا يمكن أن ينساها الشعب التركي بسهولة.

رئيس حزب الشعب الجمهوري يقول اليوم إنه يرفض تهميش الناس بسبب مظاهرهم وملابسهم وأساليب حياتهم ومعتقداتهم الدينية، مؤكدا على أن جميع المواطنين في تركيا يجب أن يعيشوا بحرية وأمان دون أن يتعرضوا لأي مضايقة بسبب آرائهم والتزامهم بمعتقداتهم. ويا ترى، هل اقتنع بصحة هذه الفكرة في الأيام الأخيرة أم كان ذلك رأيه منذ سنين؟

كان كيليتشدار أوغلو تولى منصب المدير العام لمؤسسة الضمانات الاجتماعية قبل أن يدخل المعترك السياسي. وفي فبراير / شباط 1998 أمر بفتح تحقيق بحق خمس محاميات محجبات سبق أن تعاقدن مع المؤسسة للمرافعة عنها في القضايا التي ترفع ضدها في المحافظات التركية المختلفة. وكان سبب التحقيق آنذاك دخول هؤلاء المحاميات قاعة المحكمة دون أن يخلعن حجابهن. وهذا يعني أن الرجل لم يكن يؤمن عام 1998 بحرية ارتداء الحجاب.

وفي فبراير / شباط 2008، بعد أن دخل البرلمان التركي، تقدم كيليتشدار أوغلو مع عدد من قادة حزب الشعب الجمهوري إلى المحكمة الدستورية بطلب إلغاء التعديلات الدستورية التي تسمح للطالبات المحجبات بدخول الجامعات، ما يؤكد أنه لم يكن في ذاك التاريخ أيضا يؤمن بالحرية التي يزعم أنه يدافع عنها الآن.

اليوم، في فبراير / شباط 2017، يقول كيليتشدار أوغلو إنه يؤمن بحرية ارتداء الحجاب، ويدافع عنها، بل ويزور أيضا بيت فتاة تعرضت للاعتداء بسبب حجابها، ليعبر عن تضامنه معها، ويستنكر الاعتداء الذي تعرضت له. هل هذه آراء ومشاعر صادقة أم تصريحات وزيارة اضطر لها كيليتشدار أوغلو بسبب قرب الاستفتاء الشعبي على التعديلات الدستورية؟ لا ندري.

الاستفتاء الشعبي يتطلب الفوز فيه الحصول على أكثر من ٥٠ بالمائة من الأصوات. وكذلك النظام الرئاسي المقترح في التعديلات الدستورية، يجب أن يحصل أحد المرشحين، ولو في الجولة الثانية، على أكثر من ٥٠ بالمائة من الأصوات. وبالتالي لا تكفيه الأصوات التي يدلي بها أنصار الحزب الذي ينتمي إليه، بل يحتاج إلى الحصول على نسبة من أصوات الناخبين المنتمين إلى أحزاب أخرى. ولذلك يضطر للانفتاح على الناخبين من الخلفيات السياسية والاجتماعية المختلفة، الأمر الذي يجعل المرشحين يميلون إلى التوافق والتعايش ولو على سبيل النفاق السياسي، للحصول على مزيد من الأصوات. 

تركيا النظلم الرئاسي
تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!