هل تؤمن بوجود قانون دولي؟

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

كنت أتحدث قبل أيام مع صديق لي حول القانون الدولي وطبيعته، وفاجأني بسؤال: "هل تؤمن بوجود قانون دولي؟"، وأجبت على سؤاله بــ"نعم"، ولكنه واصل اعتراضه، وقال: "لو تضارب هنا في الشارع اثنان لجاءت الشرطة، وتدخلت مباشرة باسم القانون لإنهاء المشكلة وبسط الأمن والأمان. ولكن هناك مجازر ترتكب بمناطق مختلفة في العالم، ولا يتدخل أحد باسم "القانون الدولي" لإنهائه"، ثم أضاف: "ما يسمى اليوم "القانون الدولي" قد وضع لحماية مصالح خمسة دول فقط"، في إشارة إلى الأعضاء الدائمين الذين يملكون حق الفيتو في مجلس الأمن.

ما قاله صديقي هو عين الحقيقة، للأسف الشديد، وهذا ما يشاهده الواحد منا حين ينظر إلى ما يحدث في سوريا وفلسطين والعراق واليمن وأفغانستان وأراكان وغيرها من الأماكن التي ترتكب فيها جرائم مروعة وتنتهك حقوق الإنسان أمام أعين الجميع، ولا يحرك ما يسمى "المجتمع الدولي" ساكنا. وإن تحرك فأقصى ما يفعله أن يعبر بلغة خجولة عن قلقه وإدانته بتلك الجرائم التي لا تحول الإدانات والبيانات دون تكرارها.

صحيفة "خبر تورك" التركية نشرت تقريرا جاء فيه أن الولايات المتحدة عرضت على مواطن عراقي فقد جميع أفراد عائلته في قصف أمريكي استهدف منزله قبل عامين في الموصل، ١٥ ألف دولار كتعويضات. ويقول المواطن العراقي الذي نجا من القصف الهمجي بجروح خطيرة ونقل إلى تركيا للعلاج، إن الأمريكيين اعترفوا بأنهم أخطؤوا في استهداف المنزل، واعتذروا منه، وعرضوا عليه هذا المبلغ البسيط، ولكنه رفض أن يستلمه.

أحد الزملاء الأتراك، كتب في حسابه بموقع التواصل الاجتماعي الشهير "تويتر"، تعليقا على هذا التقرير وقال: "١٥ ألف دولار في مقابل قتل أربعة أشخاص.. وهل يمكن أن نبدأ بقتل من نرغب في قتله من الأمريكيين؟"، ثم استدرك ساخرا: "آه.. نسيت، هذا كان ثمن المسلمين"، في إشارة إلى الازدواجية التي تمارسها الدول الغربية، وتساهلها في إراقة دماء المسلمين.

إن كان هناك نظام عالمي عادل فهل كان بإمكان القوات الأمريكية والروسية والإيرانية والإسرائيلية أن ترتكب كل تلك الجرائم في بلاد الشام وفلسطين بلا مبالاة؟ كلا. وما يدفع تلك القوات إلى ارتكاب مزيد من الجرائم والمجازر معرفتها بأنها لن تحاسب ولا تعاقب على ما تقوم به. 

رئيس تحرير صحيفة "ديريليش بوستاسي" التركية، أرم شنتورك، في مقال نشره في عدد الثلاثاء بالتركية والإنجليزية والعربية، دعا إلى محاكمة مسؤولي الولايات المتحدة في المحاكم التركية بتهمة تمويل المنظمات الإرهابية وتسليحها وارتكاب جرائم أخرى، كالتنصت على المكالمات الهاتفية وتهديد الأنظمة الدستورية وغيرها، كما دعا المتضررين من جراء دعم الولايات المتحدة لمنظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية إلى أن يرفعوا دعاوى قضائية ضد المسؤولين الامريكيين ويطلبوا منهم تعويضات كبيرة. 

هذا ما يفترض أن يحدث، لو كان هناك نظام عالمي يطبق القانون الدولي على الجميع بلا استثناء ولا ازدواجية، ولكن واقع اليوم بعيد عنه كل البعد، وأشبه بقانون الغابة إن لم يكن أسوأ منه.

الولايات المتحدة ترى أن من حقها أن تعتقل من تشاء، وتتهمه بما تشاء، وتحاكمه كما تشاء. وهذا ما تعنيه بالضبط تلك القضية التي تشغل الرأي العام منذ أيام وتعرف إعلاميا بــ"قضية ضراب". وهي قضية يحاكم فيها مدير بنك تركي بتمهة اختراق العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

إن كان أي مواطن تركي ارتكب جريمة ما في الأراضي التركية فمن المفترض أن يحاكمه القضاء التركي، لا القضاء الأمريكي. هذا أولا.. وثانيا، أن تركيا ليست ملزمة بمراعاة المصالح الأمريكية، بل يحق لها أن تقوم بتبادل تجاري مع أي دولة في العالم وفقا لمصالحها.

وإن كانت الولايات المتحدة يحق لها أن تحاكم مواطنا تركيًّا بتهمة اختراق العقوبات الأمريكية، يحق لتركيا أن تحاكم -على سبيل المثال- المبعوث الرئاسي الأمريكي، بريت ماكغورك، مائة مرة، بتهمة دعم الإرهاب، ويكفي لإدانته والحكم عليه ما يحكيه طلال سلو كشاهد عيان.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!