يا لعظم حبهم للشعب التركي!

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

كشفت التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان التركي عن مدى حب الدول والمنظمات المختلفة للشعب التركي وقلقها على مستقبل تركيا وديمقراطيتها. وتفاجأ المواطنون الأتراك أمام هذا التعاطف الكبير وإجماع كل هؤلاء على ضرورة رفض التعديلات في الاستفتاء الشعبي للحفاظ على مصالح بلادهم.

وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري، في كلمته التي ألقاها في ديسمبر / كانون الأول 2016 بمدينة هامبورغ الألمانية، في اجتماع المجلس الوزاري لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، انتقد رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، دون أن يذكر اسمه، بسبب سعيه لتغيير دستور تركيا للانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، واتهمه بتعزيز سلطته، حتى خُيِّل لنا في الوهلة الأولى أن النظام السياسي في الولايات المتحدة برلماني وليس برئاسي.

لم تكن إدارة أوباما المنتهية ولايتها وحدها حريصة على ديمقراطية تركيا ومستقبلها. بل سبقتها دول أوروبية في القلق على الشعب التركي. ويمكن القول بأن ألمانيا هي التي تحل المرتبة الأولى وهي الرائدة وحاملة اللقب حتى الآن في هذا التنافس. ولعظم حبها للشعب التركي وقلقها على حقوقه وحرياته، نسيت أن الاستفتاء الشعبي على التعديلات الدستورية سيتم إجراؤه في تركيا، لا في ألمانيا، لدرجة أن وسائل الإعلام الألمانية تتحدث منذ أيام وبشكل هستيري عن أردوغان وتركيا والتعديلات الدستورية والانتقال إلى النظام الرئاسي، وأن أعضاء مجلس ولاية هيسن الألمانية يبعثون رسائل إلى الناخبين الأتراك من أبناء الجالية التركية ليحثوهم على التصويت بــ"لا" في الاستفتاء، وكأن القضية برمتها شأن داخلي ألماني.

اهتمام الدول الأوروبية مثل ألمانيا وهولندا والنمسا وغيرها بالاستفتاء الشعبي في تركيا، وانحيازها السافر للجبهة المعارضة للتعديلات الدستورية، مثير للحيرة، ويدفع للتساؤل: "إن كانت الدول الأوروبية تحب الأتراك وتقلق عليهم لهذه الدرجة فلماذا تضع ألف عرقلة أمام انضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي؟

حزب العمال الكردستاني بدوره يقوم بحملة دعائية واسعة لرفض التعديلات الدستورية، وينظِّم فعاليات في أنحاء أوروبا، بالتنسيق والتعاون مع مجموعات يسارية متطرفة، لدعوة الناخبين الأتراك إلى التصويت بــ"لا" في الاستفتاء الشعبي المزمع إجراؤه في السادس عشر من الشهر القادم. ويصف قادة المنظمة، سواء في كلماتهم المسجلة أو تلك التي يلقونها في الندوات والمحاضرات بالمدن الأوروبية، التعديلات الدستورية بــ"الفاشية"، ويذكرون أسبابا مختلفة لضرورة رفض الانتقال في تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، غير أن جميع الكلمات تفقد معانيها ولا يعرف المرء ماذا يمكن أن يقول، حين يسمع تصريحات يطلقها قادة المنظمة الإرهابية الانفصالية لتحذير الناخبين من أن قبول التعديلات الدستورية في منتصف أبريل / نيسان وتغيير النظام من البرلماني إلى الرئاسي سيؤدي إلى تقسيم تركيا. كيف أصبح الانفصاليون فجأة يدافعون عن وحدة تراب الوطن، ويتهمون المؤيدين لتغيير الدستور بمحاولة تقسيم البلاد؟ أمر لا يصدقه العقل.

الكيان الموازي، التنظيم السري لجماعة كولن، هو الآخر يتظاهر بالحرص على مستقبل تركيا وشعبها، ويبذل جهدا بما تبقى من قوته ونفوذه من أجل رفض حزمة التعديلات في الاستفتاء الشعبي. وكان هذا التنظيم حاول الصيف الماضي أن يسقط الحكومة المنتخبة بانقلاب عسكري، والقضاء على الديمقراطية في البلاد لتأسيس نظام يشبه بــ"نظام ولاية الفقيه"، ليعود فتح الله كولن إلى تركيا ويتربع على عرش كالذي يشغله خامنئي في إيران.

قائمة الحريصين على مستقبل تركيا طويلة. وحتى الدول التي لا تعرف شيئا عن الديمقراطية غير اسمها، قلقة على الشعب التركي وإرادته الحرة، وخائفة من تعزيز الرئيس سلطته وتوسيع صلاحياته ليتحول إلى دكتاتور، ويتراجع مستوى الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات في تركيا. التقارير والمقالات المنشورة في وسائل إعلام بعض الدول حول أحداث تركيا، تجعل المتابع يشعر بأن مواطني تلك الدول يتمتعون بمستوى عالٍ للحريات وحقوق الإنسان لا يوجد إلا في الأنظمة الديمقراطية المتقدمة.

لا شك في أن اهتمام هؤلاء بإرادة الشعب التركي وراءه حسابات أخرى، ومخاوف سياسية واقتصادية، لأنهم يعرفون أن الانتقال إلى النظام الرئاسي سيطوى صفحة الحكومات الائتلافية الهشة والأزمات السياسية، ويعطي الصعود التركي دفعة قوية، في ظل ما تعانيه أوروبا من مشاكل عديدة تهدد وحدتها واستقرارها كانتشار العنصرية. وهناك زعماء أوروبيون يسعون إلى توظيف التصعيد ضد تركيا ورئيسها لرفع شعبيتهم في صفوف أنصار اليمين المتطرف. كما أن المنظمات الإرهابية ترى أن النظام الرئاسي المقترح سيعزز مكافحة الإرهاب في البلاد، ويقلص المساحة التي يتحرك داخلها الإرهابيون.

الناخبون في تركيا وأبناء الجاليات التركية في أنحاء العالم قد يصوتون في الاستفتاء الشعبي لقبول التعديلات الدستورية أو لرفضها لأسباب يرونها وجيهة، إلا أن هذا التعاطف الذي تظهره المنظمات الإرهابية والدول الأوروبية والإقليمية تجاه الشعب التركي بشكل غير مسبوق ومبالغ فيه، لا يخفى زيفه على المواطنين الأتراك، لأنهم يدركون حقيقة قلق تلك الدول والمنظمات وأسبابه.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!