يوم تاريخي وعهد جديد

جميع المقالات

خاص أخبار تركيا

أدَّى رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان مساء الاثنين اليمين الدستورية أمام البرلمان التركي، وأعلن ذات اليوم تشكيلة الحكومة التركية الجديدة، ليطوي صفحة النظام البرلماني ويفتح أخرى عنوانها النظام الرئاسي. وأقيم حفل التنصيب في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة بحضور عدد من رؤساء الدول والحكومات.

لم تصل تركيا هذا المنعطف التاريخي في مسيرة الديمقراطية إلا بعد معارك عديدة خاضها حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان، إلا أن بطل هذه الثورة هو الشعب التركي الذي وقف إلى جانب أردوغان في أحلك الظروف والمحطات الصعبة ودافع عن إرادته الحرة التي عبر عنها عبر صناديق الاقتراع. ولولا الشعب التركي، بعد فضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه، لما تحقق هذا التحول الكبير والثورة الديمقراطية التي قل نظيرها.

الشعب التركي لم يركب موجة المعارضة، ولم يصدق الدعاية السوداء التي ظل الكيان الموازي يروِّجها سواء عبر وسائل الإعلام التقليدية أو حسابات مزورة في مواقع التواصل الاجتماعي. ولم يسحب ثقته من حزب العدالة والتنمية ورئيسه. بل وخرج إلى الشوارع والساحات للدفاع عن الديمقراطية وإرادته الحرة ليلة محاولة الانقلاب الفاشلة.  وهو الذي وافق على التعديلات الدستورية التي نقلت البلاد من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، كما أنه هو الذي انتخب أردوغان أول رئيس للنظام الجديد في انتخابات 24 يونيو / حزيران.

حزب الحركة القومية برئاسة دولت باهتشلي، هو الآخر يستحق التقدير والإشادة بسبب موقفه البناء، وإسهامه في الانتقال إلى النظام الجديد، ودعم أردوغان في الانتخابات الرئاسية. ومن المتوقع أن يستمر تحالف حزب الحركة القومية مع حزب العدالة والتنمية، نظرا للظروف التي تمر بها المنطقة والتحديات التي تواجهها البلاد. ويحسب لباهتشلي تغليب مصالح تركيا على مصالح حزب الحركة القومية، وكافأ الناخبون هذا الموقف الوطني في الانتخابات البرلمانية.

رئيس الوزراء الأخير، بن علي يلدريم، يمكن عده ضمن أبطال المرحلة الصعبة التي مرت بها تركيا خلال السنتين الأخيرتين. وتولى يلدريم رئاسة الوزراء بعد استقالة أحمد داود أوغلو، ولم يكن الشعب التركي يعرفه كثيرا قبل ذاك التاريخ، إلا أنه خلال فترة وجيزة أثبت قدرته على تحمل هذه المسؤولية وأهليته لتولي المنصب بجدارة. وها هو اليوم يستعد لتولي رئاسة البرلمان التركي في المرحلة الجديدة.

المعارضة رفعت خلال الحملات الانتخابية شعار "العودة إلى النظام البرلماني" وقال للناخبين إنها ستعيد إليهم "تركيا القديمة" إن فازت في الانتخابات، إلا أن الناخبين اختاروا المضي قدما في الانتقال إلى النظام الرئاسي وبناء "تركيا الجديدة". ومن المؤكد أن المرحلة التي بدأت يوم الاثنين ستكون مرحلة ترسيخ أسس هذا النظام الجديد وتقوية دعائمه، ما يعني أن المعارضة ليس أمامها خيار غير التأقلم مع النظام الرئاسي وممارسة السياسة وفقا لقواعده.

يوم الاثنين الماضي كان يوم حزن أسود لمناوئي أردوغان، سواء داخل تركيا أو خارجها. وكان بعض المعارضين يشددون في تصريحاتهم على أنهم لن يسمحوا لأردوغان وحزبه بنقل تركيا إلى النظام الرئاسي، وانتخاب أردوغان أول رئيس للجمهورية في النظام الجديد. وكان مرشح حزب الشعوب الديمقراطي، صلاح الدين دميرتاش على رأس هؤلاء. ومما لا شك فيه أن يوم الاثنين الذي أدَّى فيه أردوغان اليمين الدستورية أمام أعضاء البرلمان التركي كان وقعه شديدا على دميرتاش الذي تابع أحداث ذاك اليوم في السجن عبر القنوات التلفزيونية.

التحول الذي تشهده تركيا يمكن اعتباره إنطلاقة جديدة للجمهورية الحديثة، إلا أن هذه الانطلاقة تستمد قوتها من الجذور التاريخية والروح التي أسَّست الدولة السلجوقية والإمبراطورية العثمانية، وتربط الأتراك بماضيهم المجيد بعد أن انقطعت صلتهم بإرث آبائهم وأجدادهم لسنين طويلة.

تعليقات
avatar

لا تعليقات حتى الآن لم تدخل. تعليق كن أول من يعلق!